فِي الْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ قَبْلَهَا .
وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } هُوَ أَلَّا يَأْخُذَ شَيْئاً مِمَّا نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ وَلَا يَمْنَعُ شَيْئاً أَمَرَهُ اللَّهُ بِأَدَائِهِ " فَالشُّحُّ " يَأْمُرُ بِخِلَافِ أَمْرِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّ اللَّهَ يَنْهَى عَنْ الظُّلْمِ وَيَأْمُرُ بِالْإِحْسَانِ ، وَالشُّحُّ يَأْمُرُ بِالظُّلْمِ وَيَنْهَى عَنْ الْإِحْسَانِ .
( وَقَدْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يُكْثِرُ فِي طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ وَبِالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ قِنِي شُحَّ نَفْسِي فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : إذَا وُقِيت شُحَّ نَفْسِي وُقِيت الظُّلْمَ وَالْبُخْلَ وَالْقَطِيعَةَ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ : إنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ هَلَكْت قَالَ : وَمَا ذَاكَ ؟ قَالَ : أَسْمَعُ اللَّهَ يَقُولُ : { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ } وَأَنَا رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يَكَادُ يَخْرُجُ مِنْ يَدِي شَيْءٌ فَقَالَ لَيْسَ ذَاكَ بِالشُّحِّ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ إنَّمَا الشُّحُّ أَنْ تَأْكُلَ مَالَ أَخِيك ظُلْماً وَإِنَّمَا يَكُنْ بِالْبُخْلِ وَبِئْسَ الشَّيْءُ الْبُخْلَ ) .
وَقَدْ ذَكَرَ تَعَالَى " الشُّحَّ " فِي سِيَاقِ ذِكْرِ الْحَسَدِ وَالْإِيثَارِ فِي قَوْلِهِ : { وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } - ثُمَّ قَالَ - { وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ } فَمَنْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ حَسُوداً بَاغِياً عَلَى الْمَحْسُودِ وَ " الْحَسَدُ " أَصْلُهُ بُغْضُ الْمَحْسُودِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 589
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٨٩