إلَّا بَعْدَ خُطُورِ نُطْقِهِ بِبَالِهَا دُونَ ضَحِكِهِ .
قِيلَ لَهُمْ : لَيْسَ هَذَا بِصَحِيحِ .
وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ هَذَا التَّرْتِيبُ إلَّا فِيمَنْ يُقَلِّدُ عَنْكُمْ هَذِهِ الْحُدُودَ مِن المُقَلِّدِينَ لَكُمْ فِي الْأُمُورِ الَّتِي جَعَلْتُمُوهَا مِيزَانَ الْمَعْقُولَاتِ وَإِلَّا فَبَنُو آدَمَ قَدْ لَا يَخْطُرُ لِأَحَدِهِمْ أَحَدُ الْوَصْفَيْنِ وَقَدْ يَخْطُرُ لَهُ هَذَا دُونَ هَذَا وَبِالْعَكْسِ .
وَلَوْ خَطَرَ لَهُ الْوَصْفَانِ وَعَرَفَ أَنَّ الْإِنْسَانَ حَيَوَانٌ نَاطِقٌ ضَاحِكٌ : لَمْ يَكُنْ بِمُجَرَّدِ مَعْرِفَتِهِ هَذِهِ الصِّفَاتِ مُدْرِكاً لِحَقِيقَةِ الْإِنْسَانِ أَصْلاً .
وَكُلُّ هَذَا أَمْرٌ مَحْسُوسٌ مَعْقُولٌ .
فَلَا يُغَالِطُ الْعَاقِلُ نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ لِهَيْبَةِ التَّقْلِيدِ لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ هُمْ مَنْ أَكْثَرِ الْخَلْقِ ضَلَالاً مَعَ دَعْوَى التَّحْقِيقِ ؛ فَهُمْ فِي الْأَوَائِلِ كَمُتَكَلِّمَةِ الْإِسْلَامِ فِي الْأَوَاخِرِ .
وَلَمَّا كَانَ الْمُسْلِمُونَ خَيْراً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَالصَّابِئِينَ .
كَانُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَأَعْلَمَ وَأَحْكَمَ فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ نَافِعٌ جِدّاً .
وَمِنْ هُنَا يَقُولُونَ : الْحُدُودُ الذَّاتِيَّةُ عُسْرَةٌ وَإِدْرَاكُ الصِّفَاتِ الذَّاتِيَّةِ صَعْبٌ وَغَالِبُ مَا بِأَيْدِي النَّاسِ : حُدُودٌ رَسْمِيَّةٌ .
وَذَلِكَ كُلُّهُ لِأَنَّهُمْ وَضَعُوا تَفْرِيقاً بَيْنَ شَيْئَيْنِ بِمُجَرَّدِ التَّحَكُّمِ الَّذِي هُمْ أَدْخَلُوهُ .
وَمِن المَعْلُومِ : أَنَّ مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ وَلَا فِي الْمَعْقُولِ وَإِنَّمَا هُوَ ابْتِدَاعٌ مُبْتَدَعٌ وَضَعَهُ وَفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ فِيمَا تَمَاثَلَا فِيهِ - لَا تَعْقِلُهُ الْقُلُوبُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 54
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٤