وَالْمَطْلُوبَ مِن التَّصْدِيقَاتِ لَا يُنَالُ إلَّا بِجِنْسِ الْقِيَاسِ وَقَدْ يُسَمَّى جِنْسُ الْقِيَاسِ بِالنِّسْبَةِ كَمَا يُسَمَّى جِنْسُ الْقَوْلِ الشَّارِحِ حَدّاً وَأَمَّا الْبَدِيهِيُّ مِن النَّوْعَيْنِ فَمُسْتَغْنٍ عَنْ الْحَدِّ وَالْبُرْهَانِ فَتَضَمَّنَ هَذَا الْكَلَامُ أَنَّ الْحُدُودَ تُفِيدُ تَصْوِيرَ الْحَقَائِقِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهَا وَأَنَّ الْقِيَاسَ يُفِيدُ التَّصْدِيقَ بِالْحَقَائِقِ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهِ وَفِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ وَقَعَ الْخَطَأُ .
أَمَّا فِي الْحَدِّ فَفِي كِلَا الْقَضِيَّتَيْنِ السَّلْبُ وَالْإِيجَابُ فِيمَا أَثْبَتُوهُ وَفِيمَا نَفَوْهُ .
أَمَّا الْأَوَّلُ : فَإِنَّ الْحَدَّ لَا يُفِيدُ تَصَوُّرَ الْحَقَائِقِ وَإِنَّمَا يُفِيدُ التَّمْيِيزَ بَيْنَ الْمَحْدُودِ وَغَيْرِهِ وَتَصَوُّرُ الْحَقَائِقِ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْحَدِّ الَّذِي هُوَ كَلَامُ الْحَادِّ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إدْرَاكِهَا بِالْبَاطِنِ وَالظَّاهِرِ وَإِذَا لَمْ تُدْرَكْ ضُرِبَ الْمَثَلُ لَهَا فَيَحْصُلُ بِالْمِثَالِ الَّذِي هُوَ قِيَاسُ التَّصْوِيرِ - لَا قِيَاسُ التَّصْدِيقِ - نَوْعٌ مِن الإِدْرَاكِ كَإِدْرَاكِنَا لِمَا وَعَدَ اللَّهُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ مِن الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ .
وَالْأَمْثَالُ الْمَضْرُوبَةُ فِي الْقُرْآنِ تَارَةً تَكُونُ لِلتَّصْوِيرِ وَتَارَةً تَكُونُ لِلتَّصْدِيقِ وَهَذَا الْوَجْهُ مُقَرَّرٌ بِوُجُوهِ مُتَعَدِّدَةٍ .
وَإِنَّمَا الْغَرَضُ هُنَا تَلْخِيصُ الْمَقْصُودِ .
وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ النَّفْيُ فَإِنَّ إدْرَاكَ الْحَقَائِقِ الْمُتَصَوَّرَةِ الْمُطْلَقَةِ لَيْسَ مَوْقُوفاً عَلَى الْحَدِّ لَوْ فُرِضَ أَنَّهَا تُعْرَفُ بِالْحَدِّ بَلْ تَحْصُلُ بِأَسْبَابِ الْإِدْرَاكِ الْمَعْرُوفَةِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 267
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٦٧