وَمَنْ احْتَجَّ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمَعَاصِي فَحُجَّتُهُ دَاحِضَةٌ ، وَمَنْ اعْتَذَرَ بِهِ فَعُذْرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ ، بَلْ هَؤُلَاءِ الضَّالُّونَ .
كَمَا قَالَ فِيهِمْ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : أَنْتَ عِنْدَ الطَّاعَةِ قَدَرِيٌّ وَعِنْدَ الْمَعْصِيَةِ جَبْرِيٌّ ، أَيُّ مَذْهَبٍ وَافَقَ هَوَاكَ تَمَذْهَبْتَ بِهِ .
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ إذَا ظَلَمَهُمْ ظَالِمٌ ، بَلْ لَوْ فَعَلَ الْإِنْسَانُ مَا يَكْرَهُونَهُ ، وَإِنْ كَانَ حَقّاً لَمْ يَعْذُرُوهُ بِالْقَدَرِ ، بَلْ يُقَابِلُوهُ بِالْحَقِّ وَالْبَاطِلِ ، فَإِنْ كَانَ الْقَدَرُ حُجَّةً لَهُمْ فَهُوَ حُجَّةٌ لِهَؤُلَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لِهَؤُلَاءِ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لَهُمْ ؛ وَإِنَّمَا يَحْتَجُّ أَحَدُهُمْ بِالْقَدَرِ عِنْدَ هَوَاهُ وَمَعْصِيَةِ مَوْلَاهُ ، لَا عِنْدَ مَا يُؤْذِيهِ النَّاسُ وَيَظْلِمُونَهُ .
وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَهُوَ بِالْعَكْسِ فِي ذَلِكَ إذَا آذَاهُ النَّاسُ نَظَرَ إلَى الْقَدَرِ ، فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ ، وَإِذَا أَسَاءَ هُوَ تَابَ وَاسْتَغْفَرَ .
كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فَاصْبِرْ إنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } فَالْمُؤْمِنُ يَصْبِرُ عَلَى الْمَصَائِبِ وَيَسْتَغْفِرُ مِن الذُّنُوبِ وَالْمَعَايِبِ ، وَالْمُنَافِقُ بِالْعَكْسِ لَا يَسْتَغْفِرُ مِنْ ذَنْبِهِ بَلْ يَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى مَا أَصَابَهُ ، فَلِهَذَا يَكُونُ شَقِيّاً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؛ وَالْمُؤْمِنُ سَعِيداً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 241
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٤١