لَا يُرْجَى إلَّا اللَّهُ وَلَا يُتَوَكَّلَ إلَّا عَلَيْهِ وَلَا يُسْأَلَ إلَّا هُوَ وَلَا يُسْتَعَانَ إلَّا بِهِ وَلَا يُسْتَغَاثَ إلَّا هُوَ فَلَهُ الْحَمْدُ وَإِلَيْهِ الْمُشْتَكَى وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ وَهُوَ الْمُسْتَغَاثُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِهِ فَكَيْفَ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِن الأَسْبَابِ مُسْتَقِلّاً بِمَطْلُوبِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ انْضِمَامِ أَسْبَابٍ أُخَرَ إلَيْهِ وَلَا بُدَّ أَيْضاً مِنْ صَرْفِ الْمَوَانِعِ وَالْمُعَارَضَاتِ عَنْهُ حَتَّى يَحْصُلَ الْمَقْصُودُ .
فَكُلُّ سَبَبٍ فَلَهُ شَرِيكٌ وَلَهُ ضِدٌّ فَإِنْ لَمْ يُعَاوِنْهُ شَرِيكُهُ وَلَمْ يُصْرَفْ عَنْهُ ضِدُّهُ لَمْ يَحْصُلْ سَبَبُهُ فَالْمَطَرُ وَحْدَهُ لَا يُنْبِتُ النَّبَاتَ إلَّا بِمَا يَنْضَمُّ إلَيْهِ مِن الهَوَاءِ وَالتُّرَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ثُمَّ الزَّرْعُ لَا يَتِمُّ حَتَّى تُصْرَفَ عَنْهُ الْآفَاتُ الْمُفْسِدَةُ لَهُ وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ لَا يُغَذِّي إلَّا بِمَا جُعِلَ فِي الْبَدَنِ مِن الأَعْضَاءِ وَالْقُوَى وَمَجْمُوعُ ذَلِكَ لَا يُفِيدُ إنْ لَمْ تُصْرَفْ الْمُفْسِدَاتُ وَالْمَخْلُوقُ الَّذِي يُعْطِيكَ أَوْ يَنْصُرُكَ فَهُوَ - مَعَ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيهِ الْإِرَادَةَ وَالْقُوَّةَ وَالْفِعْلَ - فَلَا يَتِمُّ مَا يَفْعَلُهُ إلَّا بِأَسْبَابِ كَثِيرَةٍ خَارِجَةٍ عَنْ قُدْرَتِهِ تُعَاوِنُهُ عَلَى مَطْلُوبِهِ وَلَوْ كَانَ مَلِكاً مُطَاعاً وَلَا بُدَّ أَنْ يُصْرَفَ عَنْ الْأَسْبَابِ الْمُعَاوِنَةِ مَا يُعَارِضُهَا وَيُمَانِعُهَا فَلَا يَتِمُّ الْمَطْلُوبُ إلَّا بِوُجُودِ الْمُقْتَضِي وَعَدَمِ الْمَانِعِ وَكُلُّ سَبَبٍ مُعِينٍ فَإِنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِن المُقْتَضِي فَلَيْسَ فِي الْوُجُودِ شَيْءٌ وَاحِدٌ هُوَ مُقْتَضِياً وَإِنْ سُمِّيَ مُقْتَضِياً وَسُمِّيَ سَائِرُ مَا يُعِينُهُ شُرُوطاً فَهَذَا نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ .
وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ : لَا بُدَّ مِنْ وُجُودِ الْمُقْتَضِي وَالشُّرُوطِ وَانْتِفَاءِ الْمَوَانِعِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ عِلَّةٌ تَامَّةٌ تَسْتَلْزِمُ مَعْلُولَهَا فَهَذَا بَاطِلٌ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 167
مساهمون: ابن تيمية
ص١٦٧