وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةً أَعْلَاهَا قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إمَاطَةُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ } { وَقَالَ لِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ : آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَنِمْتُمْ } .
وَأَجْمَعَ السَّلَفُ أَنَّ الْإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَوْلُ الْقَلْبِ وَعَمَلُ الْقَلْبِ ثُمَّ قَوْلُ اللِّسَانِ وَعَمَلُ الْجَوَارِحِ .
فَأَمَّا قَوْلُ الْقَلْبِ فَهُوَ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَدْخُلُ فِيهِ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ النَّاسُ فِي هَذَا عَلَى أَقْسَامٍ : مِنْهُمْ مَنْ صَدَّقَ بِهِ جُمْلَةً وَلَمْ يَعْرِفْ التَّفْصِيلَ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّقَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلاً ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَدُومُ اسْتِحْضَارُهُ وَذَكَرَهُ لِهَذَا التَّصْدِيقِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْفُلُ عَنْهُ وَيَذْهَلُ وَمِنْهُمْ مَنْ اسْتَبْصَرَ فِيهِ بِمَا قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ مِن النُّورِ وَالْإِيمَانِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَزَمَ بِهِ لِدَلِيلِ قَدْ تَعْتَرِضُ فِيهِ شُبْهَةٌ أَوْ تَقْلِيدٌ جَازِمٌ وَهَذَا التَّصْدِيقُ يَتْبَعُهُ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهُوَ حُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْظِيمُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْزِيرُ الرَّسُولِ وَتَوْقِيرُهُ وَخَشْيَةُ اللَّهِ وَالْإِنَابَةُ إلَيْهِ وَالْإِخْلَاصُ لَهُ وَالتَّوَكُّلُ عَلَيْهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِن الأَحْوَالِ فَهَذِهِ الْأَعْمَالُ الْقَلْبِيَّةُ كُلُّهَا مِن الإِيمَانِ وَهِيَ مِمَّا يُوجِبُهَا التَّصْدِيقُ وَالِاعْتِقَادُ إيجَابَ الْعِلَّةِ لِلْمَعْلُولِ .
وَيَتْبَعُ الِاعْتِقَادَ قَوْل اللِّسَانِ وَيَتْبَعُ عَمَلَ الْقَلْبِ الْجَوَارِحُ مِن الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْحَجِّ وَنَحْوِ ذَلِكَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 672
مساهمون: ابن تيمية
ص٦٧٢