الثَّالِثُ : أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ يَعُودُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ إلَى أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْخَالِقِ عَيْنَ وُجُودِ الْمَخْلُوقَاتِ وَهُمْ يُصَرِّحُونَ بِذَلِكَ ؛ لَكِنْ يَدَّعُونَ الْمُغَايَرَةَ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالثُّبُوتِ : أَوْ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْمَاهِيَّةِ : وَبَيْنَ الْكُلِّ وَالْجُزْءِ ، وَهُوَ الْمُغَايَرَةُ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُعَيَّنِ ؛ فَلِهَذَا كَانُوا يَقُولُونَ : بِالْحُلُولِ .
تَارَةً يَجْعَلُونَ الْخَالِقَ حَالّاً فِي الْمَخْلُوقَاتِ ، وَتَارَةً مَحَلّاً لَهَا وَإِذَا حَقَّقَ الْأَمْرُ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الْمُغَايَرَةِ كَانَ حَقِيقَةُ قَوْلِهِمْ أَنَّ الْخَالِقَ هُوَ نَفْسُ الْمَخْلُوقَاتِ فَلَا خَالِقَ وَلَا مَخْلُوقَ وَإِنَّمَا الْعَالَمُ وَاجِبُ الْوُجُودِ بِنَفْسِهِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُمْ يُقِرُّونَ بِمَا يَزْعُمُونَهُ مِنْ " التَّوْحِيدِ " عَنْ التَّعَدُّدِ فِي صِفَاتِهِ الْوَاجِبَةِ ؛ وَأَسْمَائِهِ ؛ وَقِيَامِ الْحَوَادِثِ بِهِ وَعَنْ كَوْنِهِ جِسْماً ؛ أَوْ جَوْهَراً ؛ ثُمَّ هُمْ عِنْدَ التَّحْقِيقِ يَجْعَلُونَهُ عَيْنَ الْأَجْسَامِ الْكَائِنَةِ الْفَاسِدَةِ الْمُسْتَقْذَرَةِ وَيَصِفُونَهُ بِكُلِّ نَقْصٍ كَمَا صَرَّحُوا بِذَلِكَ قَالُوا : أَلَا تَرَى الْحَقَّ يَظْهَرُ بِصِفَاتِ الْمُحْدَثَاتِ ؟ وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَبِصِفَاتِ النَّقْصِ ؛ وَبِصِفَاتِ الذَّمِّ ، وَقَالُوا : الْعَلِيُّ لِذَاتِهِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ الْكَمَالُ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ بِهِ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ وَالنِّسَبِ الْعَدَمِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْمُودَةً عُرْفاً وَعَقْلاً وَشَرْعاً ؛ أَوْ مَذْمُومَةً عُرْفاً وَعَقْلاً وَشَرْعاً ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِمُسَمَّى اللَّهِ خَاصَّةً فَهُوَ مُتَّصِفٌ عِنْدَهُمْ بِكُلِّ صِفَةٍ مَذْمُومَةٍ كَمَا هُوَ مُتَّصِفٌ بِكُلِّ صِفَةٍ مَحْمُودَةٍ وَقَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنَّ أَمْرَهُمْ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُبْسَطَ هُنَا .
وَلَكِنَّ الْمَقْصُودَ التَّنْبِيهُ عَلَى تَشَابُهِ رُؤُوسِ الضَّلَالِ حَتَّى إذَا فَهِمَ الْمُؤْمِنُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 593
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٩٣