تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 292

مساهمون:

ص٢٩٢
يُقَالُ : صَدَّقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَلَا يُقَالُ : آمَنَ لَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَائِباً عَنْهُ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهِ وَلِهَذَا قَالَ : { فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ } { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } . { آمَنْتُمْ لَهُ } . { يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } فَيُصَدِّقُهُمْ فِيمَا أَخْبَرُوا بِهِ . مِمَّا غَابَ عَنْهُ وَهُوَ مَأْمُونٌ عِنْدَهُ عَلَى ذَلِكَ فَاللَّفْظُ مُتَضَمِّنٌ مَعَ التَّصْدِيقِ وَمَعْنَى الِائْتِمَانِ وَالْأَمَانَةِ ؛ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْتِعْمَالُ وَالِاشْتِقَاقُ وَلِهَذَا قَالُوا : { وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا } أَيْ لَا تُقِرُّ بِخَبَرِنَا وَلَا تَثِقُ بِهِ وَلَا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِ وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عِنْدَهُ مِمَّنْ يُؤْتَمَنُ عَلَى ذَلِكَ . فَلَوْ صَدَقُوا لَمْ يَأْمَنْ لَهُمْ . ( الثَّالِثُ : أَنَّ لَفْظَ الْإِيمَانِ فِي اللُّغَةِ لَمْ يُقَابَلْ بِالتَّكْذِيبِ كَلَفْظِ التَّصْدِيقِ فَإِنَّهُ مِن المَعْلُومِ فِي اللُّغَةِ أَنَّ كُلَّ مُخْبِرٍ يُقَالُ لَهُ : صَدَقْت أَوْ كَذَبْت وَيُقَالُ : صَدَّقْنَاهُ أَوْ كَذَّبْنَاهُ وَلَا يُقَالُ لِكُلِّ مُخْبِرٍ : آمَنَّا لَهُ أَوْ كَذَّبْنَاهُ ؛ وَلَا يُقَالُ أَنْتَ مُؤْمِنٌ لَهُ أَوْ مُكَذِّبٌ لَهُ ؛ بَلْ الْمَعْرُوفُ فِي مُقَابَلَةِ الْإِيمَانِ لَفْظُ الْكُفْرِ . يُقَالُ : هُوَ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ وَالْكُفْرُ لَا يَخْتَصُّ بِالتَّكْذِيبِ ؛ بَلْ لَوْ قَالَ : أَنَا أَعْلَمُ إنَّك صَادِقٌ لَكِنْ لَا أَتَّبِعُك بَلْ أُعَادِيك وَأُبْغِضُك وَأُخَالِفُك وَلَا أُوَافِقُك لَكَانَ كُفْرُهُ أَعْظَمَ ؛ فَلَمَّا كَانَ الْكُفْرُ الْمُقَابِلُ لِلْإِيمَانِ لَيْسَ هُوَ التَّكْذِيبُ فَقَطْ عُلِمَ أَنَّ الْإِيمَانَ لَيْسَ هُوَ التَّصْدِيقُ فَقَطْ بَلْ إذَا كَانَ الْكُفْرُ يَكُونُ تَكْذِيباً وَيَكُونُ مُخَالَفَةً وَمُعَادَاةً وَامْتِنَاعاً بِلَا تَكْذِيبٍ ؛ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْإِيمَانُ تَصْدِيقاً مَعَ مُوَافَقَةٍ وَمُوَالَاةٍ وَانْقِيَادٍ لَا يَكْفِي مُجَرَّدُ التَّصْدِيقِ ؛ فَيَكُونُ الْإِسْلَامُ جُزْءَ مُسَمَّى الْإِيمَانِ كَمَا كَانَ الِامْتِنَاعُ مِن الانْقِيَادِ مَعَ التَّصْدِيقِ جُزْءَ مُسَمَّى الْكُفْرِ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ مُؤْمِنٍ مُسْلِماً مُنْقَاداً لِلْأَمْرِ وَهَذَا هُوَ الْعَمَلُ .