وَأَمَّا " رَبُّ الْخَلْقِ " الَّذِي هُوَ أَكْمَلُ مِنْ كُلِّ مَوْجُودٍ فَهُوَ أَحَقُّ الْمَوْجُودَاتِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَأَنَّهُ لَا يَسْتَوِي الْمُتَّصِفُ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَاَلَّذِي لَا يَتَّصِفُ بِهَا ؛ وَهُوَ يَذْكُرُ أَنَّ الْجَمَادَاتِ فِي الْعَادَةِ لَا تَقْبَلُ الِاتِّصَافَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ .
فَمَنْ جَعَلَ الْوَاجِبَ الْوُجُودِ لَا يَقْبَلُ الِاتِّصَافَ : فَقَدْ جَعَلَهُ مِنْ جِنْسِ الْأَصْنَامِ الْجَامِدَةِ الَّتِي عَابَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَعَابَ عَابِدِيهَا .
وَلِهَذَا كَانَتْ " الْقَرَامِطَةُ الْبَاطِنِيَّةُ " مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ شِرْكاً وَعِبَادَةً لِغَيْرِ اللَّهِ ؛ إذْ كَانُوا لَا يَعْتَقِدُونَ فِي إلَهِهِمْ أَنَّهُ يَسْمَعُ أَوْ يُبْصِرُ أَوْ يُغْنِي عَنْهُمْ شَيْئاً .
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ النُّصُوصَ لِمُجَرَّدِ تَقْرِيرِ صِفَاتِ الْكَمَالِ لَهُ بَلْ ذَكَرَهَا لِبَيَانِ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ دُونَ مَا سِوَاهُ فَأَفَادَ ( الْأَصْلَيْنِ اللَّذَيْنِ بِهِمَا يَتِمُّ التَّوْحِيدُ : وَهُمَا إثْبَاتُ صِفَاتِ الْكَمَالِ رَدّاً عَلَى أَهْلِ التَّعْطِيلِ وَبَيَانِ أَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ رَدّاً عَلَى الْمُشْرِكِينَ .
وَالشِّرْكُ فِي الْعَالَمِ أَكْثَرُ مِن التَّعْطِيلِ ؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إثْبَاتِ " التَّوْحِيدِ " الْمُنَافِي لِلْإِشْرَاكِ إبْطَالُ قَوْلِ أَهْلِ التَّعْطِيلِ ؛ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِثْبَاتِ الْمُبْطِلِ لِقَوْلِ الْمُعَطِّلَةِ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إلَّا بِبَيَانِ آخَرَ .
وَالْقُرْآنُ يُذْكَرُ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى الْمُعَطِّلَةِ تَارَةً ؛ كَالرَّدِّ عَلَى فِرْعَوْنَ وَأَمْثَالِهِ ؛ وَيُذْكَرُ فِيهِ الرَّدُّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا أَكْثَرُ لِأَنَّ الْقُرْآنَ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ .
وَمَرَضُ الْإِشْرَاكِ أَكْثَرُ فِي النَّاسِ مِنْ مَرَضِ التَّعْطِيلِ وَأَيْضاً فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 83
مساهمون: ابن تيمية
ص٨٣