مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } فَبَيَّنَ أَنَّ كَوْنَهُ مَمْلُوكاً عَاجِزاً صِفَةُ نَقْصٍ وَأَنَّ الْقُدْرَةَ وَالْمِلْكَ وَالْإِحْسَانَ صِفَةُ كَمَالٍ وَأَنَّهُ لَيْسَ هَذَا مِثْلُ هَذَا وَهَذَا لِلَّهِ وَذَاكَ لِمَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِهِ .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } وَهَذَا مَثَلٌ آخَرُ .
فَالْأَوَّلُ مِثْلُ الْعَاجِزِ عَنْ الْكَلَامِ وَعَنْ الْفِعْلِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ .
وَالْآخَرُ الْمُتَكَلِّمُ الْآمِرُ بِالْعَدْلِ الَّذِي هُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ فَهُوَ عَادِلٌ فِي أَمْرِهِ مُسْتَقِيمٌ فِي فِعْلِهِ .
فَبَيَّنَ أَنَّ التَّفْضِيلَ بِالْكَلَامِ الْمُتَضَمِّنِ لِلْعَدْلِ وَالْعَمَلِ الْمُسْتَقِيمِ فَإِنَّ مُجَرَّدَ الْكَلَامِ وَالْعَمَلِ قَدْ يَكُونُ مَحْمُوداً وَقَدْ يَكُونُ مَذْمُوماً .
فَالْمَحْمُودُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ الْحَمْدَ فَلَا يَسْتَوِي هَذَا وَالْعَاجِزُ عَنْ الْكَلَامِ وَالْفِعْلِ .
وَقَالَ تَعَالَى : { ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } .
يَقُولُ تَعَالَى : إذَا كُنْتُمْ أَنْتُمْ لَا تَرْضَوْنَ بِأَنَّ الْمَمْلُوكَ يُشَارِكُ مَالِكَهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِن النَّقْصِ وَالظُّلْمِ فَكَيْفَ تَرْضَوْنَ ذَلِكَ لِي وَأَنَا أَحَقُّ بِالْكَمَالِ وَالْغِنَى مِنْكُمْ ؟ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 80
مساهمون: ابن تيمية
ص٨٠