فَإِذَا قِيلَ : لَا يُمْكِنُهُ إحْدَاثُ الْحَوَادِثِ بَلْ مَفْعُولُهُ لَازِمٌ لِذَاتِهِ : كَانَ هَذَا نَقْصاً بِالنِّسْبَةِ إلَى الْقَادِرِ الَّذِي يَفْعَلُ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ : جَعْلُ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ مُتَحَرِّكاً سَاكِناً مَوْجُوداً مَعْدُوماً صِفَةُ كَمَالِ قِيلَ هَذَا مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ .
وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ : إبْدَاعُ قَدِيمٍ وَاجِبٍ بِنَفْسِهِ صِفَةُ كَمَالِ .
قِيلَ : هَذَا مُمْتَنِعٌ لِنَفْسِهِ فَإِنَّ كَوْنَهُ مُبْدِعاً يَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونُ وَاجِباً بِنَفْسِهِ ؛ بَلْ وَاجِباً بِغَيْرِهِ ؛ فَإِذَا قِيلَ هُوَ وَاجِبٌ مَوْجُودٌ بِنَفْسِهِ وَهُوَ لَمْ يُوجَدْ إلَّا بِغَيْرِهِ : كَانَ هَذَا جَمْعاً بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ .
وَكَذَلِكَ إذَا قِيلَ : الْأَفْعَالُ الْقَائِمَةُ وَالْمَفْعُولَاتُ الْمُنْفَصِلَةُ عَنْهُ - إذَا كَانَ اتِّصَافُهُ بِهَا صِفَةَ كَمَالِ فَقَدْ فَاتَتْهُ فِي الْأَزَلِ ؛ وَإِنْ كَانَ صِفَةَ نَقْصٍ فَقَدْ لَزِمَ اتِّصَافُهُ بِالنَّقَائِصِ .
قِيلَ : الْأَفْعَالُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهَا أَزَلِيّاً .
وَأَيْضاً : فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ هَذِهِ فِي الْأَزَلِ صِفَةَ كَمَالِ ؛ بَلْ الْكَمَالُ أَنْ تُوجَدَ حَيْثُ اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ وُجُودَهَا .
وَأَيْضاً : فَلَوْ كَانَتْ أَزَلِيَّةً لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ .
فَقَوْلُ الْقَائِلِ : فِيمَا حَقُّهُ أَنْ يُوجَدَ شَيْئاً بَعْدَ شَيْءٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فِي الْأَزَلِ : جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ .
وَأَمْثَالُ هَذَا كَثِيرٌ .
فَلِهَذَا قُلْنَا الْكَمَالُ الْمُمْكِنُ الْوُجُودِ ؛ فَمَا هُوَ مُمْتَنِعٌ فِي نَفْسِهِ فَلَا حَقِيقَةَ لَهُ ؛ فَضْلاً عَنْ أَنْ يُقَالَ : هُوَ مَوْجُودٌ .
أَوْ يُقَالَ : هُوَ كَمَالٌ لِلْمَوْجُودِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 86
مساهمون: ابن تيمية
ص٨٦