وَكَذَلِكَ السَّحَابُ الْمُتَحَرِّكُ وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ كُلَّ حَرَكَةٍ فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ " قَسْرِيَّةً " وَهِيَ تَابِعَةٌ لِلْقَاسِرِ أَوْ " طَبِيعِيَّةً " وَإِنَّمَا تَكُونُ إذَا خَرَجَ الْمَطْبُوعُ عَنْ مَرْكَزِهِ فَيُطْلَبُ عَوْدُهُ إلَيْهِ ؛ أَوْ " إرَادِيَّةً " وَهِيَ الْأَصْلُ فَجَمِيعُ الْحَرَكَاتِ تَابِعَةٌ لِلْحَرَكَةِ الْإِرَادِيَّةِ الَّتِي تَصْدُرُ عَنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي هِيَ الْمُدَبِّرَاتُ أَمْراً وَالْمُقَسِّمَاتُ أَمْراً وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ عَنْ الْمَلَائِكَةِ وَفِي الْمَعْقُولِ مَا يُصَدِّقُ ذَلِكَ .
فَالْكَلَامُ فِي هَذَا وَأَمْثَالِهِ لَهُ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا .
وَالْمَقْصُودُ هُنَا : أَنْ نُبَيِّنَ أَنَّ مَا ذَكَرَ فِي السُّؤَالِ زَائِلٌ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَيَكُونُ الْكَلَامُ فِي الْجَوَابِ مَبْنِيّاً عَلَى حُجَجٍ عِلْمِيَّةٍ لَا تَقْلِيدِيَّةٍ وَلَا مُسَلَّمَةٍ وَإِذَا بَيَّنَّا حُصُولَ الْجَوَابِ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ - كَمَا سَنُوَضِّحُهُ - لَمْ يُضِرْنَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ التَّقْدِيرَاتِ هُوَ الْوَاقِعُ - وَإِنْ كُنَّا نَعْلَمُ ذَلِكَ - لَكِنَّ تَحْرِيرَ الْجَوَابِ عَلَى تَقْدِيرٍ دُونَ تَقْدِيرٍ وَإِثْبَاتُ ذَلِكَ فِيهِ طُولٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ هُنَا ؛ فَإِنَّ الْجَوَابَ إذَا كَانَ حَاصِلاً عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ كَانَ أَحْسَنَ وَأَوْجَزَ .
الْمَقَامُ الثَّانِي :
أَنْ يُقَالَ " الْعَرْشُ " سَوَاءٌ كَانَ هُوَ الْفَلَكُ التَّاسِعُ أَوْ جِسْماً مُحِيطاً بِالْفَلَكِ التَّاسِعِ أَوْ كَانَ فَوْقَهُ مِنْ جِهَةِ وَجْهِ الْأَرْضِ غَيْرِ مُحِيطٍ بِهِ أَوْ قِيلَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَيَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّ الْعَالَمَ الْعُلْوِيَّ وَالسُّفْلِيَّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخَالِقِ تَعَالَى فِي غَايَةِ الصِّغَرِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 559
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٥٩