وَقَدْ قَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ : السَّمَاءُ عَلَى الْأَرْضِ مِثْلُ الْقُبَّةِ .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْفَلَكَ مُسْتَدِيرٌ مِثْلُ ذَلِكَ لَكِنَّ لَفْظَ الْقُبَّةِ يَسْتَلْزِمُ اسْتِدَارَةً مِن العُلُوِّ وَلَا يَسْتَلْزِمُ اسْتِدَارَةً مِنْ جَمِيعِ الْجَوَانِبِ إلَّا بِدَلِيلِ مُنْفَصِلٍ .
وَلَفْظُ " الْفَلَكِ " يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِدَارَةِ مُطْلَقاً ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } وقَوْله تَعَالَى { لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } يَقْتَضِي أَنَّهَا فِي فَلَكٍ مُسْتَدِيرٍ مُطْلَقاً كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي فَلْكَةٍ مِثْلُ فَلْكَةِ الْمِغْزَلِ .
وَأَمَّا لَفْظُ " الْقُبَّةِ " فَإِنَّهُ لَا يَتَعَرَّضُ لِهَذَا الْمَعْنَى ؛ لَا بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ ؛ لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِدَارَةِ مِن العُلُوِّ ؛ كَالْقُبَّةِ الْمَوْضُوعَةِ عَلَى الْأَرْضِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ الْأَفْلَاكَ غَيْرُ السَّمَوَاتِ لَكِنْ رَدَّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ هَذَا الْقَوْلَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً } { وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجاً } فَأَخْبَرَ أَنَّهُ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ فِي الْفَلَكِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ بَسْطِ الْكَلَامِ فِي هَذَا .
وَتَحْقِيقُ الْأَمْرِ فِيهِ وَبَيَانُ أَنَّ مَا عُلِمَ بِالْحِسَابِ - عِلْماً صَحِيحاً - لَا يُنَافِي مَا جَاءَ بِهِ السَّمْعُ وَأَنَّ الْعُلُومَ السَّمْعِيَّةَ الصَّحِيحَةَ لَا تُنَافِي مَعْقُولاً صَحِيحاً ؛ إذْ قَدْ بَسَطْنَا الْكَلَامَ عَلَى هَذَا وَأَمْثَالِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْتَاجُ إلَيْهِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 557
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٥٧