فِي هَذَا وَنَظَائِرِهِ مِمَّا قَدْ أُشْكِلَ عَلَى كَثِيرٍ مِن النَّاسِ ؛ حَيْثُ يَرَوْنَ مَا يُقَالُ : إنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ مُخَالِفاً لِمَا يُقَالُ إنَّهُ مَعْلُومٌ بِالسَّمْعِ ؛ فَأَوْجَبَ ذَلِكَ أَنْ كَذَّبَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِعِلْمِهِ ؛ حَتَّى آلَ الْأَمْرُ بِقَوْمِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ إلَى أَنْ تَكَلَّمُوا فِي مُعَارَضَةِ الْفَلَاسِفَةِ فِي " الْأَفْلَاكِ " بِكَلَامِ لَيْسَ مَعَهُمْ بِهِ حُجَّةٌ ؛ لَا مِنْ شَرْعٍ وَلَا مِنْ عَقْلٍ وَظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ مِنْ نَصْرِ الشَّرِيعَةِ وَكَانَ مَا جَحَدُوهُ مَعْلُوماً بِالْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ أَيْضاً .
وَأَمَّا " الْمُتَفَلْسِفَةُ وَأَتْبَاعُهُمْ " فَغَايَتُهُمْ أَنْ يَسْتَدِلُّوا بِمَا شَاهَدُوهُ مِن الحِسِّيَّاتِ وَلَا يَعْلَمُونَ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ ؛ مِثْلُ أَنْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْبُخَارَ الْمُتَصَاعِدَ يَنْعَقِدُ سَحَاباً وَأَنَّ السَّحَابَ إذَا اصْطَكَّ حَدَثَ عَنْهُ صَوْتٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَكِنْ عِلْمُهُمْ بِهَذَا كَعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْمَنِيَّ يَصِيرُ فِي الرَّحِمِ لَكِنْ مَا الْمُوجِبُ لِأَنْ يَكُونَ الْمَنِيُّ الْمُتَشَابِهُ الْأَجْزَاءِ تُخْلَقُ مِنْهُ هَذِهِ الْأَعْضَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ وَالْمَنَافِعُ الْمُخْتَلِفَةُ عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ الْمُحْكَمِ الْمُتْقَنِ الَّذِي فِيهِ مِن الحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ مَا بَهَرَ الْأَلْبَابَ .
وَكَذَلِكَ مَا الْمُوجِبُ لِأَنْ يَكُونَ هَذَا الْهَوَاءُ أَوْ الْبُخَارُ مُنْعَقِداً سَحَاباً مُقَدَّراً بِقَدْرِ مَخْصُوصٍ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ عَلَى مَكَانٍ مُخْتَصٍّ بِهِ ؟ وَيَنْزِلُ عَلَى قَوْمٍ عِنْدَ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ فَيَسْقِيهِمْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ لَا يَزِيدُ فَيَهْلَكُوا وَلَا يَنْقُصُ فَيَعُوزُوا وَمَا الْمُوجِبُ لِأَنْ يُسَاقَ إلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ الَّتِي لَا تُمْطِرُ أَوْ تُمْطِرُ مَطَراً لَا يُغْنِيهَا - كَأَرْضِ مِصْرَ إذْ كَانَ الْمَطَرُ الْقَلِيلُ لَا يَكْفِيهَا وَالْكَثِيرُ يَهْدِمُ أَبْنِيَتَهَا - قَالَ تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ } .
مجموعة الفتاوى — صفحة 558
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٥٨