أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَصِفُوهُ بِمَا يَقْتَضِي عَدَمَهُ وَتَعْطِيلَهُ فَيُنْكِرُونَهُ وَإِنْ كَانُوا يُقِرُّونَ بِهِ فَيَجْمَعُونَ - فِي قَوْلِهِمْ - بَيْنَ الْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ وَالنَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ .
وَقَدْ يُصَرِّحُ بَعْضُهُمْ بِصِحَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وَيَقُولُ : إنَّ هَذَا غَايَةُ التَّحْقِيقِ وَالْعِرْفَانِ .
وَإِمَّا أَنْ يَصِفُوهُ بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عَيْنُ الْمَخْلُوقَاتِ أَوْ جُزْءٌ مِنْهَا أَوْ صِفَةٌ لَهَا وَذَلِكَ أَيْضاً يَقْتَضِي قَوْلَهُمْ بِعَدَمِ الْخَالِقِ وَتَعْطِيلِ الصَّانِعِ ؛ وَإِنْ كَانُوا مُقِرِّينَ بِوُجُودِ مَوْجُودٍ غَيْرِهِ وَإِنْ جَعَلُوهُ إيَّاهُ .
ثُمَّ يَجِدُونَ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مُبَايِناً فِي رُبُوبِيَّةِ الْمَخْلُوقِ فَيَقُولُونَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ - كَمَا تَقَدَّمَ - .
وَقَدْ يَقُولُونَ بِعِبَادَةِ الْأَصْنَامِ وَإِنَّ عُبَّادَ الْأَصْنَامِ عَلَى حَقٍّ وَعُبَّادَ الْعِجْلِ عَلَى حَقٍّ وَإِنَّهُ مَا عُبِدَ غَيْرُ اللَّهِ قَطُّ ؛ إذْ لَا غَيْرَ عِنْدَهُمْ ؛ بَلْ الْوُجُودُ وَاحِدٌ وَيَقُولُونَ بِامْتِنَاعِ الدَّعْوَةِ إلَيْهِ وَأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُتَقَرَّبَ إلَيْهِ وَيَصِلَ إلَيْهِ وَهُمْ يَقُولُونَ : مَا عُدِمَ فِي الْبِدَايَةِ فَيُدْعَى إلَى الْغَايَةِ ؛ بَلْ هُوَ عَيْنُ الْمَدْعُوِّ فَكَيْفَ يَدْعُو إلَى نَفْسِهِ ؟ .
وَكَلَامُ السَّلَفِ وَالْأَئِمَّةِ فِي ذَمِّ الْجَهْمِيَّة وَتَكْفِيرِهِمْ كَثِيرٌ جِدّاً .
وَهَؤُلَاءِ وَمَنْ وَافَقَهُمْ عَلَى بَعْضِ أَقْوَالِهِمْ الَّتِي تَنْفِي حَقِيقَةَ اللِّقَاءِ يَتَأَوَّلُونَ " اللِّقَاءَ " عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ لِقَاءُ جَزَاءِ رَبِّهِمْ وَيَقُولُونَ إنَّ الْجَزَاءَ قَدْ يُرَى كَمَا فِي قَوْلِهِ : { وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } { قُلْ إنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ } { فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَذَا الَّذِي
مجموعة الفتاوى — صفحة 470
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٧٠