بِهَذَا ؛ لَكِنَّهُ أَسَاءَ فِي التَّعْبِيرِ أَيْضاً ؛ فَإِنَّ الْكَلِمَةَ الْعَامَّةَ لَيْسَ مَعْنَاهَا أَنَّهَا تَعُمُّ كُلَّ شَيْءٍ ؛ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ أَنْ تَعُمَّ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَيْ مَا وُضِعَ اللَّفْظُ لَهُ وَمَا مِنْ لَفْظٍ فِي الْغَالِبِ إلَّا وَهُوَ أَخَصُّ مِمَّا هُوَ فَوْقَهُ فِي الْعُمُومِ وَأَعَمُّ مِمَّا هُوَ دُونَهُ فِي الْعُمُومِ وَالْجَمِيعُ يَكُونُ عَامّاً .
ثُمَّ عَامَّةُ كَلَامِ الْعَرَبِ وَسَائِرِ الْأُمَمِ إنَّمَا هُوَ أَسْمَاءٌ عَامَّةٌ وَالْعُمُومُ اللَّفْظِيُّ عَلَى وِزَانِ الْعُمُومِ الْعَقْلِيِّ وَهُوَ خَاصِّيَّةُ " الْعَقْلِ " الَّذِي هُوَ أَوَّلُ دَرَجَاتِ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ الْبَهَائِمِ .
فَإِنْ قِيلَ : سَلَّمْنَا أَنَّ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ يَشْمَلُ النِّسَاءَ ؛ لَكِنَّ هَذَا الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ رُؤْيَةِ اللَّهِ لِلرِّجَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ : { إنَّ الرِّجَالَ يَرْجِعُونَ إلَى مَنَازِلِهِمْ فَتَتَلَقَّاهُمْ نِسَاؤُهُمْ فَيَقُلْنَ لِلرَّجُلِ : لَقَدْ جِئْت وَإِنَّ بِك مِن الجَمَالِ أَفْضَلَ مِمَّا فَارَقْتنَا عَلَيْهِ فَيَقُولُ : إنَّا جَالَسْنَا الْيَوْمَ رَبَّنَا الْجَبَّارَ وَيُحِقُّنَا أَنْ نَنْقَلِبَ بِمِثْلِ مَا انْقَلَبْنَا بِهِ } .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَمْ يُشَارِكُوهُمْ فِي الرُّؤْيَةِ وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي رُؤْيَةِ الْجُمُعَةِ فَفِي رُؤْيَةِ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذَا أَعْلَى مِنْ تِلْكَ وَمَنْ لَمْ يَصْلُحْ لِلرُّؤْيَةِ فِي الْأُسْبُوعِ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلرُّؤْيَةِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ ؟ وَإِذَا انْتَفَتْ رُؤْيَتُهُنَّ فِي هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّاسَ يَرَوْنَهُ فِي غَيْرِ هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ : فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْعُمُومَ مَخْصُوصٌ مِنْهُ النِّسَاءُ فِي هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ ؛ وَمَا سِوَاهُمَا لَمْ يَثْبُتْ لَا لِلرِّجَالِ وَلَا لِلنِّسَاءِ فَلَمْ يَبْقَ مَا يَدُلُّ عَلَى حُصُولِ الرُّؤْيَةِ لِلنِّسَاءِ فِي مَوْطِنٍ آخَرَ فَإِمَّا أَنْ يَبْقَى مُطْلَقاً عَمَلاً بِالْأَصْلِ النَّافِي ؛ وَإِمَّا أَنْ يُنْفَى عَنْ هَذَيْنِ الْمَوْطِنَيْنِ وَيُتَوَقَّفَ فِيمَا عَدَاهُمَا وَلَا يُحْتَجَّ عَلَى ثُبُوتِهَا فِيهِ بِتِلْكَ العمومات
مجموعة الفتاوى — صفحة 445
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٤٥