شُبِّهَ بِمَنْ يُصَافِحُ اللَّهَ فَأَوَّلُ الْحَدِيثِ وَآخِرُهُ يُبَيِّنُ أَنَّ الْحَجَرَ لَيْسَ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ وَلَكِنْ يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَمَا جَعَلَ لِلنَّاسِ بَيْتاً يَطُوفُونَ بِهِ : جَعَلَ لَهُمْ مَا يَسْتَلِمُونَهُ ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ تَقْبِيلِ يَدِ الْعُظَمَاءِ فَإِنَّ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ لِلْمُقَبِّلِ وَتَكْرِيمٌ لَهُ كَمَا جَرَتْ الْعَادَةُ وَاَللَّهُ وَرَسُولُهُ لَا يَتَكَلَّمُونَ بِمَا فِيهِ إضْلَالُ النَّاسِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ؛ فَقَدْ بَيَّنَ لَهُمْ فِي الْحَدِيثِ مَا يَنْفِي مِن التَّمْثِيلِ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي : فَقَوْلُهُ { مِن اليَمَنِ } يُبَيِّنُ مَقْصُودَ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلْيَمَنِ اخْتِصَاصٌ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يُظَنَّ ذَلِكَ وَلَكِنْ مِنْهَا جَاءَ الَّذِينَ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ الَّذِينَ قَالَ فِيهِمْ : { مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : سُئِلَ عَنْ هَؤُلَاءِ ؛ فَذَكَرَ أَنَّهُمْ قَوْمُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ؛ وَجَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ مِثْلُ قَوْلِهِ : { أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ أَرَقَّ قُلُوباً وَأَلْيَنَ أَفْئِدَةً ؛ الْإِيمَانُ يَمَانِيٌّ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ } وَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ قَاتَلُوا أَهْلَ الرِّدَّةِ وَفَتَحُوا الْأَمْصَارَ فَبِهِمْ نَفَّسَ الرَّحْمَنُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ الْكُرُبَاتِ وَمَنْ خَصَّصَ ذَلِكَ بِأُوَيْسِ فَقَدْ أَبْعَدَ .
وَأَمَّا الْآيَةُ : فَقَدْ اسْتَفَاضَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَقَالَ لَهُ السَّائِلُ : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } كَيْفَ اسْتَوَى ؟ فَأَطْرَقَ مَالِكٌ بِرَأْسِهِ حَتَّى عَلَاهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 398
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٩٨