التَّخْصِيصَ ؛ " وَأَيْضاً " فَلَا بُدَّ عِنْدَ وُجُودِ الْمُرَادِ مِنْ سَبَبٍ يَقْتَضِي حُدُوثَهُ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ مُجَرَّدُ مَا تَقَدَّمَ مِن الإِرَادَةِ وَالْقُدْرَةِ كَافِياً ؛ لَلَزِمَ وُجُودُهُ قَبْلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَعَ الْإِرَادَةِ التَّامَّةِ وَالْقُدْرَةِ التَّامَّةِ يَجِبُ وُجُودُ الْمَقْدُورِ .
وَقَدْ احْتَجَّ مَنْ قَالَ : " الْخَلْقُ " هُوَ الْمَخْلُوقُ - كَأَبِي الْحَسَنِ وَمَنْ اتَّبَعَهُ مِثْلُ ابْنِ عَقِيلٍ - بِأَنْ قَالُوا : لَوْ كَانَ غَيْرُهُ لَكَانَ إمَّا قَدِيماً وَإِمَّا حَادِثاً فَإِنْ كَانَ قَدِيماً لَزِمَ قِدَمُ الْمَخْلُوقِ لِأَنَّهُمَا مُتَضَايِفَانِ ؛ وَإِنْ كَانَ حَادِثاً لَزِمَ أَنْ تَقُومَ بِهِ الْحَوَادِثُ ثُمَّ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ يَفْتَقِرُ إلَى خَلْقٍ آخَرَ وَيَلْزَمُ التَّسَلْسُلُ .
فَأَجَابَهُمْ " الْجُمْهُورُ " - وَكُلُّ طَائِفَةٍ عَلَى أَصْلِهَا - فَطَائِفَةٌ قَالَتْ : الْخَلْقُ قَدِيمٌ وَإِنْ كَانَ الْمَخْلُوقُ حَادِثاً كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ ؛ قَالَ هَؤُلَاءِ : أَنْتُمْ تُسَلِّمُونَ لَنَا أَنَّ الْإِرَادَةَ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ ؛ وَالْمُرَادُ مُحْدَثٌ فَنَحْنُ نَقُولُ فِي الْخَلْقِ مَا قُلْتُمْ فِي الْإِرَادَةِ .
وَقَالَتْ " طَائِفَةٌ " : بَلْ الْخَلْقُ حَادِثٌ فِي ذَاتِهِ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى خَلْقٍ آخَرَ ؛ بَلْ يَحْدُثُ بِقُدْرَتِهِ .
وَأَنْتُمْ تَقُولُونَ : إنَّ الْمَخْلُوقَ يَحْصُلُ بِقُدْرَتِهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ كَانَ الْمُنْفَصِلَ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ فَالْمُتَّصِلُ بِهِ أَوْلَى وَهَذَا جَوَابُ كَثِيرٍ مِن الكَرَّامِيَة والهشامية وَغَيْرِهِمْ .
وَ " طَائِفَةٌ " يَقُولُونَ : هَبْ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إلَى فِعْلٍ قَبْلَهُ فَلِمَ قُلْتُمْ : إنَّ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ ؟ وَقَوْلُكُمْ : هَذَا تَسَلْسُلٌ .
فَيُقَالُ : لَيْسَ هَذَا تَسَلْسُلاً فِي الْفَاعِلِينَ وَالْعِلَلِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 231
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٣١