وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد فِي الْجُزْءِ الَّذِي فِيهِ " الرَّدُّ عَلَى الْجَهْمِيَّة وَالزَّنَادِقَةِ " : وَكَذَلِكَ اللَّهُ تَكَلَّمَ كَيْفَ شَاءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَقُولَ جَوْفٌ وَلَا فَمٌ وَلَا شَفَتَانِ .
وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : بَلْ نَقُولُ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّماً إذَا شَاءَ وَلَا نَقُولُ إنَّهُ كَانَ وَلَا يَتَكَلَّمُ حَتَّى خُلِقَ .
وَكَلَامُهُ فِيهِ طُولٌ .
قَالَ :
بَابُ مَا أَنْكَرَتْ الْجَهْمِيَّة مِنْ أَنَّ اللَّهَ كَلَّمَ مُوسَى
فَقُلْنَا : لِمَ أَنْكَرْتُمْ ذَلِكَ ؟ قَالُوا إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَا يَتَكَلَّمُ ؛ إنَّمَا كَوَّنَ شَيْئاً فَعَبَّرَ عَنْ اللَّهِ وَخَلَقَ صَوْتاً فَأَسْمَعَهُ وَزَعَمُوا أَنَّ الْكَلَامَ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ جَوْفٍ وَلِسَانٍ وَشَفَتَيْنِ .
فَقُلْنَا : هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِمُكَوِّنِ غَيْرِ اللَّهِ أَنْ يَقُولَ : يَا مُوسَى إنِّي أَنَا رَبُّك ؟ أَوْ يَقُولَ : { إنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } .
فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ فَقَدْ ادَّعَى الرُّبُوبِيَّةَ ؛ وَلَوْ كَانَ كَمَا زَعَمَ الجهمي أَنَّ اللَّهَ كَوَّنَ شَيْئاً كَأَنْ يَقُولَ ذَلِكَ الْمُكَوَّنُ : يَا مُوسَى إنَّ اللَّهَ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ : { إنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً } وَقَالَ : { وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } وَقَالَ : { إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي } فَهَذَا مَنْصُوصُ الْقُرْآنِ .
وَأَمَّا مَا قَالُوا إنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَا يُكَلَّمُ : فَكَيْفَ يَصْنَعُونَ بِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ
مجموعة الفتاوى — صفحة 153
مساهمون: ابن تيمية
ص١٥٣