وَكَذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثُ ذَكَرَهُ قتادة فِي تَفْسِيرِهِ ؛ وَهُوَ يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَى الْبَاطِنِ أَنَّهُ الْقُرْبُ وَلَا لَفْظُ الْبَاطِنِ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا لَفْظُ الْقُرْبِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى جِهَةِ الْعُمُومِ كَلَفْظِ الْمَعِيَّةِ وَلَا لَفْظُ الْقُرْبِ فِي اللُّغَةِ وَالْقُرْآنِ كَلَفْظِ الْمَعِيَّةِ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ : هَذَا مَعَ هَذَا ؛ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْمُجَامَعَةَ وَالْمُقَارَنَةَ وَالْمُصَاحَبَةَ وَلَا يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ إحْدَى الذَّاتَيْنِ مِن الأُخْرَى وَلَا اخْتِلَاطِهَا بِهَا ؛ فَلِهَذَا كَانَ إذَا قِيلَ : هُوَ مَعَهُمْ ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ عِلْمَهُ وَقُدْرَتَهُ وَسُلْطَانَهُ مُحِيطٌ بِهِمْ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ فَوْقَ عَرْشِهِ ؛ كَمَا أَخْبَرَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ بِهَذَا .
وَقَالَ تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ } فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ مَعَ عُلُوِّهِ عَلَى عَرْشِهِ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ فَلَا يَمْنَعُهُ عُلُوُّهُ عَنْ الْعِلْمِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ .
وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ " الْأَوْعَالِ " الَّذِي فِي " السُّنَنِ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّهُ فَوْقَ عَرْشِهِ وَيَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ } وَلَمْ يَأْتِ فِي لَفْظِ الْقُرْبِ مِثْلُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : هُوَ فَوْقَ عَرْشِهِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ؛ بَلْ قَالَ : { إنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ } وَقَالَ : { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذَا دَعَانِ } وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِباً إنَّ الَّذِي تَدْعُونَهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ } .
قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : ثَنَا أَبِي ثَنَا يَحْيَى بْنُ الْمُغِيرَةِ ثَنَا جَرِيرٌ عَنْ عَبَدَةَ بْنِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 499
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٩٩