أَمَّا الْجَوَابُ الْإِجْمَالِيُّ فَإِنَّا نَقُولُ قَوْلَكُمْ : " لَا نُسَلِّمُ أَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ ضَرُورِيَّةٌ " مَنْعٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ ؛ فَإِنَّ الْمُقَدِّمَاتِ الضَّرُورِيَّةَ لَا يَجُوزُ مَنْعُهَا وَلَوْ جَازَ مَنْعُ الضَّرُورِيَّاتِ لَمْ يُمْكِنْ الِاسْتِدْلَالُ وَلَا إقَامَةُ حُجَّةٍ عَلَى مُنْكِرٍ ؛ فَإِنَّ الْمُسْتَدِلَّ غَايَتُهُ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِدَلِيلِ مُؤَلَّفٍ مِنْ مُقَدِّمَاتٍ ضَرُورِيَّةٍ ؛ فَلَوْ جَازَ مَنْعُ الضَّرُورِيَّةِ لَمْ يَصِحَّ الِاسْتِدْلَالُ ؛ وَكَذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ مِن الاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ بِضَرُورِيَّةٍ أَوْ لَيْسَتْ بِصَحِيحَةٍ لَا يُقْبَلُ أَيْضاً ؛ فَإِنَّ الضَّرُورِيَّاتِ هِيَ الْأَصْلُ لِلنَّظَرِيَّاتِ ؛ فَلَوْ جَازَ الْقَدْحُ فِي الضَّرُورِيَّاتِ بِالنَّظَرِيَّاتِ لَكَانَ ذَلِكَ قَدْحاً فِي الْأَصْلِ بِفَرْعِهِ وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ بُطْلَانَ الْفَرْعِ وَالْأَصْلِ جَمِيعاً ؛ فَإِنَّ الْفَرْعَ إذَا كَانَ فَاسِداً لَمْ تَجُزْ الْمُعَارَضَةُ بِهِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحاً لَزِمَ أَنْ يَكُونَ أَصْلُهُ صَحِيحاً ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَادِحاً فِي الْأَصْلِ .
فَثَبَتَ أَنَّهُ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ لَا يَجُوزُ مُعَارَضَةُ الضَّرُورِيَّاتِ بِالنَّظَرِيَّاتِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَبْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْمُقَدِّمَاتِ الضَّرُورِيَّةِ أَنْ تُمَانَعَ وَلَا أَنْ تُعَارَضَ بِالنَّظَرِيَّاتِ ؛ فَإِذَا ادَّعَى الْمُسْتَدِلُّ عَلَى أَنَّ الْمُقَدِّمَةَ ضَرُورِيَّةٌ فَهَلْ يَكُونُ قَوْلُهُ حُجَّةً عَلَى مُنَاظِرِهِ .
قِيلَ : لَيْسَ مُجَرَّدُ دَعْوَاهُ الضَّرُورِيَّةَ حُجَّةً عَلَى خَصْمِهِ لَكِنْ مَنْ عَلِمَ أَنَّ الْقَضِيَّةَ ضَرُورِيَّةٌ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ بِذَلِكَ وَهُوَ لَا يُكَابِرُ نَفْسَهُ ؛ وَسَوَاءٌ عَلِمَهَا غَيْرُهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْهَا ؛ وَسَوَاءٌ سَلَّمَهَا لَهُ أَوْ نَازَعَهُ فِيهَا .
فَمَا عَلِمَهُ هُوَ ضَرُورَةً لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَشُكَّ فِيهِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 270
مساهمون: ابن تيمية
ص٢٧٠