وَإِنْ كَانَ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ مِنَّا أَنْ لَا نُثْبِتَ وَلَا نَنْفِيَ ؛ بَلْ نَبْقَى فِي الْجَهْلِ الْبَسِيطِ وَفِي ظُلُمَاتٍ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ لَا نَعْرِفُ الْحَقَّ مِن البَاطِلِ وَلَا الْهُدَى مِن الضَّلَالِ وَلَا الصِّدْقَ مِن الكَذِبِ ؛ بَلْ نَقِفُ بَيْنَ الْمُثْبِتَةِ والْنُّفَاةِ مَوْقِفَ الشَّاكِّينَ الْحَيَارَى { مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إلَى هَؤُلَاءِ } لَا مُصَدِّقِينَ وَلَا مُكَذِّبِينَ : لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُحِبُّ مِنَّا عَدَمَ الْعِلْمِ بِمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَمَ الْعِلْمِ بِمَا يَسْتَحِقُّهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِن الصِّفَاتِ التَّامَّاتِ وَعَدَمَ الْعِلْمِ بِالْحَقِّ مِن البَاطِلِ وَيُحِبُّ مِنَّا الْحَيْرَةَ وَالشَّكَّ .
وَمِن المَعْلُومِ أَنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْجَهْلَ وَلَا الشَّكَّ وَلَا الْحَيْرَةَ وَلَا الضَّلَالَ ؛ وَإِنَّمَا يُحِبُّ الدِّينَ وَالْعِلْمَ وَالْيَقِينَ .
وَقَدْ ذَمَّ " الْحَيْرَةَ " بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ } { وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ } .
وَقَدْ أَمَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنْ نَقُولَ : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ } { صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } .
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 178
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٨