كَانَ إذَا قَامَ مِن اللَّيْلِ يُصَلِّي يَقُولُ : اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وميكائيل وَإِسْرَافِيلَ ؛ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِك فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ .
اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِن الحَقِّ بِإِذْنِك إنَّك تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } .
فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ رَبَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِن الحَقِّ فَكَيْفَ يَكُونُ مَحْبُوبُ اللَّهِ عَدَمَ الْهُدَى فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ؟ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ : { وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً } .
وَمَا يَذْكُرُهُ بَعْضُ النَّاسِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { زِدْنِي فِيك تَحَيُّراً } كَذِبٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِحَدِيثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ هَذَا سُؤَالٌ مَنْ هُوَ حَائِرٌ وَقَدْ سَأَلَ الْمَزِيدَ مِن الحَيْرَةِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ أَنْ يَسْأَلَ وَيَدْعُوَ بِمَزِيدِ الْحَيْرَةِ إذَا كَانَ حَائِراً ؛ بَلْ يَسْأَلُ الْهُدَى وَالْعِلْمَ ؛ فَكَيْفَ بِمَنْ هُوَ هَادِي الْخَلْقِ مِن الضَّلَالَةِ ؟ .
وَإِنَّمَا يُنْقَلُ مِثْلُ هَذَا عَنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ الَّذِينَ لَا يُقْتَدَى بِهِمْ فِي مِثْلِ هَذَا إنْ صَحَّ النَّقْلُ عَنْهُ ، وَقَوْلُ هَؤُلَاءِ الْوَاقِفَةِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ وَلَا يَنْفُونَ وَيُنْكِرُونَ الْجَزْمَ بِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ : يَلْزَمُ عَلَيْهِ أُمُورٌ :
أَحَدُهَا أَنَّ مَنْ قَالَ هَذَا : فَعَلَيْهِ أَنْ يُنْكِرَ عَلَى الْنُّفَاةِ ؛ فَإِنَّهُمْ ابْتَدَعُوا أَلْفَاظاً وَمَعَانِيَ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْكِتَابِ وَلَا فِي السُّنَّةِ .
وَأَمَّا الْمُثْبِتَةُ إذَا اقْتَصَرُوا عَلَى النُّصُوصِ : فَلَيْسَ لَهُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِمْ وَهَؤُلَاءِ
مجموعة الفتاوى — صفحة 179
مساهمون: ابن تيمية
ص١٧٩