وَيُقَالُ لَهُ : الْمُشْتَرِي لَمْ يَضْمَنْ اللَّبَنَ الْحَادِثَ عَلَى مِلْكِهِ .
وَلَكِنْ ضَمِنَ مَا فِي الضَّرْعِ ؛ فَإِنَّهُ لَمَّا اشْتَرَى الْمُصَرَّاةَ وَفِيهَا لَبَنٌ تَلِفَ عِنْدَهُ : كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهُ ؛ وَإِنَّمَا قَدَّرَ الشَّارِعُ الْبَدَلَ لِأَنَّهُ اخْتَلَطَ اللَّبَنُ الْقَدِيمُ بِاللَّبَنِ الْحَادِثِ فَلَمْ يَبْقَ يُعْرَفُ مِقْدَارُ اللَّبَنِ الْقَدِيمِ .
فَلِهَذَا لَمْ يُمْكِنْ ضَمَانُهُ بِمِثْلِهِ وَلَا بِقِيمَتِهِ فَقَدَّرَ الشَّارِعُ فِي ذَلِكَ بَدَلاً يُقْطَعُ بِهِ النِّزَاعُ كَمَا قَدَّرَ دِيَاتِ النَّفْسِ وَدِيَاتِ الْأَعْضَاءِ وَمَنَافِعِهَا وَنَحْوَ ذَلِكَ مِن المُقَدَّرَاتِ الَّتِي يُقْطَعُ بِهَا نِزَاعُ النَّاسِ فَإِنَّهُ إذَا أَمْكَنَ الْعِلْمُ بِمِقْدَارِ الْحَقِّ : كَانَ هُوَ الْوَاجِبَ .
وَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ شَرَعَ الشَّارِعُ مَا هُوَ أَمْثَلُ الطُّرُقِ وَأَقْرَبُهَا إلَى الْحَقِّ .
فَتَارَةً يَأْمُرُ بِالْخَرْصِ إذَا تَعَذَّرَ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ ؛ إقَامَةً لِلظَّنِّ مَقَامَ الْعِلْمِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْعِلْمِ وَيَأْمُرُ بِالإسْتِهَامِ لِتَعْيِينِ الْمُسْتَحِقِّ عِنْدَ كَمَالِ الْإِبْهَامِ .
وَتَارَةً يُقَدِّرُ بَدَلَ الِاسْتِحْقَاقِ إذَا لَمْ يَكُنْ طَرِيقٌ آخَرُ لِقَطْعِ الشِّقَاقِ ؛ وَرَدُّ الْمُشْتَرِي لِلصَّاعِ بَدَلَ مَا أُخِذَ مِن اللَّبَنِ مِنْ هَذَا الْبَابِ .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ حِكَايَةٌ ثَانِيَةٌ ذَكَرَهَا " أَبُو سَعِيدٍ بْنُ السَّمْعَانِي " عَنْ الشَّيْخِ الْعَارِفِ يُوسُفَ الهمداني عَنْ الشَّيْخِ الْفَقِيهِ أَبِي إسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ عَنْ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطبري قَالَ : كُنَّا جُلُوساً بِالْجَامِعِ بِبَغْدَادَ فَجَاءَ خُرَاسَانِيٌّ سَأَلَنَا عَنْ الْمُصَرَّاةِ .
فَأَجَبْنَاهُ فِيهَا وَاحْتَجَجْنَا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَطَعَنَ فِي أَبِي هُرَيْرَةَ
مجموعة الفتاوى — صفحة 538
مساهمون: ابن تيمية
ص٥٣٨