وَأَمَّا مَا فَضَّلَ اللَّهُ عِبَادَهُ الصَّالِحِينَ وَمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ مِن الكَرَامَةِ : فَأَكْثَرُ النَّاسِ عَنْهُ بِمَعْزِلِ لَيْسَ لَهُمْ نَظَرٌ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِن العِلْمِ الَّذِي غَبَطَتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ بِهِ مِنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَهُمْ وَهُوَ مِمَّا بِهِ يُفَضِّلُونَ .
فَهَذَا الْجَوَابُ وَمَا قَبْلَهُ .
( الْحُجَّةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } { ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } { مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } فَهَذِهِ صِفَةُ جبرائيل .
ثُمَّ قَالَ : { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } فَوَصَفَ جبرائيل بِالْكَرَمِ وَالرِّسَالَةِ وَالْقُوَّةِ وَالتَّمْكِينِ عِنْدَهُ وَأَنَّهُ مُطَاعٌ وَأَنَّهُ أَمِينٌ فَوَصَفَهُ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ الْفَاضِلَةِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } فَأَضَافَ الرَّسُولُ الْبَشَرِيُّ إلَيْنَا وَسَلَبَ عَنْهُ الْجُنُونَ وَأَثْبَتَ لَهُ رُؤْيَةَ جبرائيل وَنَفَى عَنْهُ الْبُخْلَ وَالتُّهْمَةَ وَفِي هَذَا تَفَاوُتٌ عَظِيمٌ بَيْنَ الْبَشَرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَبَيْنَ الصِّفَاتِ وَالنِّعَمِ وَهَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ زَلَّ بِهِ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ .
وَالْجَوَابُ : أَوَّلاً : أَيْنَ هُوَ مِنْ قَوْلِهِ : { أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ } إلَى آخِرِهَا وَقَوْلِهِ : { وَالضُّحَى } { وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى } ؟ وَقَوْلُهُ : { إنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً } الْآيَاتِ : { عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً } ؟ .
وَأَيْنَ هُوَ عَنْ قِصَّةِ الْمِعْرَاجِ الَّتِي تَأَخَّرَ فِيهَا جبرائيل عَنْ مَقَامِهِ ؟ ثُمَّ أَيْنَ هُوَ عَنْ الْخَلَّةِ ؟ وَهُوَ التَّقْرِيبُ ؛ فَهَذَا نِزَاعُ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْرَهُ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 388
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٨٨