أَوْ الْجَوْهَرَانِ فَصَاعِداً ؟ أَوْ السِّتَّةُ ؟ أَوْ الثَّمَانِيَةُ ؟ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ؟ وَمَنْ يَقُولُ هُوَ الَّذِي يُمْكِنُ فَرْضُ الْأَبْعَادِ الثَّلَاثَةِ فِيهِ وَأَنَّهُ مُرَكَّبٌ مِن المَادَّةِ وَالصُّورَةِ ، وَمَنْ يَقُولُ هُوَ الْمَوْجُودُ أَوْ الْمَوْجُودُ الْقَائِمُ بِنَفْسِهِ ؛ وَأَنَّ الْمَوْجُودَ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ .
وَالسَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ - الَّذِينَ ذَمُّوا وَبَدَعُوا الْكَلَامَ فِي الْجَوْهَرِ وَالْجِسْمِ وَالْعَرَضِ تَضَمَّنَ كَلَامُهُمْ ذَمَّ مَنْ يُدْخِلُ الْمَعَانِيَ الَّتِي يَقْصِدُهَا هَؤُلَاءِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي أُصُولِ الدِّينِ : فِي دَلَائِلِهِ وَفِي مَسَائِلِهِ : نَفْياً وَإِثْبَاتاً .
فَأَمَّا إذَا عَرَفَ الْمَعَانِيَ الصَّحِيحَةَ الثَّابِتَةَ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَعَبَّرَ عَنْهَا لِمَنْ يَفْهَمُ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ ؛ لِيَتَبَيَّنَ مَا وَافَقَ الْحَقَّ مِنْ مَعَانِي هَؤُلَاءِ وَمَا خَالَفَهُ ، فَهَذَا عَظِيمُ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ مِن الحُكْمِ بِالْكِتَابِ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } وَهُوَ مِثْلُ الْحُكْمِ بَيْنَ سَائِرِ الْأُمَمِ بِالْكِتَابِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن المَعَانِي الَّتِي يُعَبِّرُونَ عَنْهَا بِوَضْعِهِمْ وَعُرْفِهِمْ .
وَذَلِكَ يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ مَعَانِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ .
وَمَعْرِفَةِ مَعَانِي هَؤُلَاءِ بِأَلْفَاظِهِمْ ، ثُمَّ اعْتِبَارِ هَذِهِ الْمَعَانِي بِهَذِهِ الْمَعَانِي لِيَظْهَرَ الْمُوَافِقُ وَالْمُخَالِفُ .
وَأَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ فَإِنْ قِيلَ بِالْجَوَازِ : فَمَا وَجْهُهُ وَقَدْ فَهِمْنَا مِنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ النَّهْيَ عَنْ الْكَلَامِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ ؟ فَيُقَالُ قَدْ تَقَدَّمَ الِاسْتِفْسَارُ وَالتَّفْصِيلُ فِي جَوَابِ السُّؤَالِ وَأَنَّ مَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ أُصُولُ الدِّينِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 308
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٠٨