{ وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } وَهَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ مُتَضَمِّنٌ لِلنَّفْيِ : أَيْ لَا أَحَدَ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ .
فَإِنَّ كَوْنَهَا رَمِيماً يَمْنَعُ عِنْدَهُ إحْيَاءَهَا لِمَصِيرِهَا إلَى حَالِ الْيُبْسِ وَالْبُرُودَةِ : الْمُنَافِيَةِ لِلْحَيَاةِ الَّتِي مَبْنَاهَا عَلَى الْحَرَارَةِ وَالرُّطُوبَةِ وَلِتَفَرُّقِ أَجْزَائِهَا وَاخْتِلَاطِهَا بِغَيْرِهَا وَلِنَحْوِ ذَلِكَ مِن الشُّبُهَاتِ .
وَالتَّقْدِيرُ هَذِهِ الْعِظَامُ رَمِيمٌ وَلَا أَحَدَ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ فَلَا أَحَدَ يُحْيِيهَا وَلَكِنَّ هَذِهِ السَّالِبَةَ كَاذِبَةٌ وَمَضْمُونُهَا امْتِنَاعُ الْإِحْيَاءِ .
وَبَيَّنَ سُبْحَانَهُ إمْكَانَهُ مِنْ وُجُوهٍ بِبَيَانِ إمْكَانِ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ وَقُدْرَتُهُ عَلَيْهِ فَقَالَ { يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ } وَقَدْ أَنْشَأَهَا مِن التُّرَابِ ثُمَّ قَالَ : { وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ } لِيُبَيِّنَ عِلْمَهُ بِمَا تَفَرَّقَ مِن الأَجْزَاءِ وَاسْتَحَالَ .
ثُمَّ قَالَ : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً } فَبَيَّنَ أَنَّهُ أَخْرَجَ النَّارَ الْحَارَّةَ الْيَابِسَةَ مِن البَارِدِ الرَّطْبِ وَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي الْمُنَافَاةِ لِأَنَّ اجْتِمَاعَ الْحَرَارَةِ وَالرُّطُوبَةِ أَيْسَرُ مِنْ اجْتِمَاعِ الْحَرَارَةِ وَالْيُبُوسَةِ ؛ فَالرُّطُوبَةُ تَقْبَلُ مِن الانْفِعَالِ مَا لَا تَقْبَلُهُ الْيُبُوسَةُ .
ثُمَّ قَالَ : { أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } وَهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ مَعْلُومَةٌ بِالْبَدِيهَةِ - وَلِهَذَا جَاءَ فِيهَا بِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَقِرٌّ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ { وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً } ثُمَّ بَيَّنَ قُدْرَتَهُ الْعَامَّةَ بِقَوْلِهِ { إنَّمَا أَمْرُهُ إذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } .
مجموعة الفتاوى — صفحة 300
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٠٠