تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
الْقِيَاسُ الشُّمُولِيُّ الْمُؤَلَّفُ مِن المُقَدِّمَاتِ الْيَقِينِيَّةِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْبُرْهَانِ فِي اللُّغَةِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ كَمَا سَمَّى اللَّهُ آيَتَيْ مُوسَى بُرْهَانَيْنِ . وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ الْعِلْمَ الْإِلَهِيَّ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ فِيهِ بِقِيَاسِ تَمْثِيلٍ يَسْتَوِي فِيهِ الْأَصْلُ وَالْفَرْعُ وَلَا بِقِيَاسِ شُمُولِيٍّ تَسْتَوِي أَفْرَادُهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمَثِّلَ بِغَيْرِهِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ هُوَ وَغَيْرُهُ تَحْتَ قَضِيَّةٍ كُلِّيَّةٍ تَسْتَوِي أَفْرَادُهَا - وَلِهَذَا لَمَّا سَلَكَ طَوَائِفُ مِن المُتَفَلْسِفَةِ وَالْمُتَكَلِّمَةِ مِثْلَ هَذِهِ الْأَقْيِسَةِ فِي الْمَطَالِبِ الْإِلَهِيَّةِ لَمْ يَصِلُوا بِهَا إلَى يَقِينٍ بَلْ تَنَاقَضَتْ أَدِلَّتُهُمْ وَغَلَبَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ التَّنَاهِي الْحَيْرَةُ وَالِاضْطِرَابُ ؛ لِمَا يَرَوْنَهُ مِنْ فَسَادِ أَدِلَّتِهِمْ أَوْ تَكَافُئِهَا . وَلَكِنْ يُسْتَعْمَلُ فِي ذَلِكَ قِيَاسُ الْأَوْلَى سَوَاءٌ كَانَ تَمْثِيلاً أَوْ شُمُولاً كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى } مِثْلَ أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ كُلَّ كَمَالٍ ثَبَتَ لِلْمُمْكِنِ أَوْ الْمُحْدِثِ لَا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهِ مِن الوُجُوهِ : وَهُوَ مَا كَانَ كَمَالاً لِلْمَوْجُودِ غَيْرِ مُسْتَلْزِمٍ لِلْعَدَمِ فَالْوَاجِبُ الْقَدِيمُ أَوْلَى بِهِ . وَكُلُّ كَمَالٍ لَا نَقْصَ فِيهِ بِوَجْهِ مِن الوُجُوهِ ثَبَتَ نَوْعُهُ لِلْمَخْلُوقِ - الْمَرْبُوبِ الْمَعْلُولِ الْمُدَبِّرِ فَإِنَّمَا اسْتَفَادَهُ مِنْ خَالِقِهِ وَرَبِّهِ وَمُدَبِّرِهِ - فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْهُ . وَأَنَّ كُلَّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ فِي نَفْسِهِ - وَهُوَ مَا تَضَمَّنَ سَلْبَ هَذَا الْكَمَالِ إذَا وَجَبَ نَفْيُهُ عَنْ شَيْءٍ مَا مِنْ أَنْوَاعِ الْمَخْلُوقَاتِ وَالْمُحْدَثَاتِ وَالْمُمْكِنَاتِ - فَإِنَّهُ يَجِبُ نَفْيُهُ عَنْ الرَّبِّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . وَأَنَّهُ أَحَقُّ بِالْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ مِنْ كُلِّ مَوْجُودٍ وَأَمَّا الْأُمُورُ الْعَدَمِيَّةُ فَالْمُمْكِنُ بِهَا أَحَقُّ وَنَحْوُ ذَلِكَ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 297 | ابن تيمية