بِفَضْلِهِ وَقُوَّةِ نَفْسِهِ وَمِن المُتَفَلْسِفَةِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْمَعَانِيَ وَالْحُرُوفَ تَأْلِيفُهُ ؛ لَكِنَّهَا فَاضَتْ عَلَيْهِ كَمَا يَفِيضُ الْعِلْمُ عَلَى غَيْرِهِ مِن العُلَمَاءِ .
فَالْكَاهِنُ مُسْتَمِدٌّ مِن الشَّيَاطِينِ .
{ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } وَكِلَاهُمَا فِي لَفْظِهِ وَزْنٌ .
هَذَا سَجْعٌ وَهَذَا نَظْمٌ وَكِلَاهُمَا لَهُ مَعَانٍ مِنْ وَحْيِ الشَّيَاطِينِ .
كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَعُوذُ بِاَللَّهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ مِن الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ .
مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ } وَقَالَ : " هَمْزُهُ الموتة وَنَفْثُهُ الشِّعْرُ وَنَفْخُهُ الْكِبْرُ " وقَوْله تَعَالَى { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } يَنْفِي الْأَمْرَيْنِ كَمَا أَنَّهُ فِي السُّورَةِ الْأُخْرَى قَالَ : { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ } { وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ } وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الشُّعَرَاءِ : { وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ } مُطْلَقاً .
ثُمَّ ذَكَرَ عَلَامَةَ مَنْ تَنَزَّلُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ : بِأَنَّهُ أَفَّاكٌ أَثِيمٌ وَأَنَّ الشُّعَرَاءَ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ .
فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ : لَيْسَ فِيهِ أَنَّ الشُّعَرَاءَ تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمْ الشَّيَاطِينُ إلَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمْ كَذَّاباً أَثِيماً فَالْكَذَّابُ : فِي قَوْلِهِ وَخَبَرِهِ .
وَالْأَثِيمُ : فِي فِعْلِهِ وَأَمْرِهِ .
وَذَاكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ : لِأَنَّ الشِّعْرَ يَكُونُ مِن الشَّيْطَانِ تَارَةً وَيَكُونُ مِن النَّفْسِ أُخْرَى .
كَمَا أَنَّهُ إذَا كَانَ حَقّاً يَكُونُ مِنْ رُوحِ الْقُدُسِ كَمَا { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَعَا لِحَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ : اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } وَقَالَ : { اُهْجُهُمْ - أو هاجهم - وجِبْرَائِيلُ مَعَك } فَلَمَّا نَفَى قِسْمَ الشَّيْطَانِ نَفَى قِسْمَ النَّفْسِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ : { يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ } وَأَلْغَى اتِّبَاعَ الشَّهَوَاتِ الَّتِي هِيَ هَوَى النُّفُوسِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 51
مساهمون: ابن تيمية
ص٥١