وَلَا يَسْتَمِرُّ اللَّهُمَّ إلَّا فِي الْأُمُورِ الَّتِي قَضَتْ سُنَّةُ اللَّهِ بِاشْتِرَاكِ النَّاسِ فِيهَا مِن الحِسَابِيَّاتِ .
وَالطَّبِيعِيَّاتِ .
وَهَذَانِ الْفَنَّانِ لَيْسَا مَقْصُودَ الدَّعْوَةِ النَّبَوِيَّةِ .
وَلَا مَعْرِفَتُهُمَا شَرْطاً فِي السَّعَادَةِ وَلَا مُحَصِّلاً لَهَا وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْفَنُّ الْإِلَهِيُّ .
وَمُقَدِّمَاتُ الْقِيَاسِ فِيهِ : هِيَ مِن القِسْمِ الْأَوَّلِ الَّذِي تَخْتَلِفُ فِيهِ أَحْكَامُ الْمُقَدِّمَاتِ بِالنَّسَبِ وَالْإِضَافَةِ .
فَتَدَبَّرْ هَذَا فَإِنَّهُ خَالِصٌ نَافِعٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ .
يُوَضِّحُ هَذَا الْفَصْلُ أَنَّ الْقُرْآنَ - وَإِنْ كَانَ كَلَامَ اللَّهِ - فَإِنَّ اللَّهَ أَضَافَهُ إلَى الرَّسُولِ الْمُبَلِّغِ لَهُ مِن المَلَكِ وَالْبَشَرِ فَأَضَافَهُ إلَى الْمَلَكِ فِي قَوْلِهِ : { فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ } { الْجَوَارِي الْكُنَّسِ } إلَى قَوْلِهِ : { إنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } { ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ } { مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ } فَهَذَا جبرائيل .
فَإِنَّ هَذِهِ صِفَاتُهُ لَا صِفَاتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
ثُمَّ قَالَ : { وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ } أَضَافَهُ إلَيْنَا امْتِنَاناً عَلَيْنَا بِأَنَّهُ صَاحِبُنَا كَمَا قَالَ : { وَالنَّجْمِ إذَا هَوَى } { مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى } .
{ وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ } { وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ } فَهُوَ مُحَمَّدٌ .
أَيْ بِمُتَّهَمِ وَعَلَى الْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى : بِبَخِيلِ .
وَزَعَمَ بَعْضُ الْمُتَفَلْسِفَةِ أَنَّهُ جبرائيل أَيْضاً وَهُوَ الْعَقْلُ الْفَاعِلُ الْفَائِضُ وَهُوَ مِنْ تَحْرِيفِ الْكَلِمِ عَنْ مَوَاضِعِهِ فَإِنَّ صِفَاتِ جبرائيل تَقَدَّمَتْ وَإِنَّمَا هَذَا وَصْفُ مُحَمَّدٍ .
ثُمَّ قَالَ : { وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ } لَمَّا أَثْبَتَ أَنَّهُ قَوْلُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 49
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٩