قَالَ الزَّجَّاجُ فِي قَوْلِهِ : { وَجَّهْتُ وَجْهِيَ } أَيْ جَعَلْت قَصْدِي بِعِبَادَتِي وَتَوْحِيدِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ } فَإِنَّ الْوُجُوهَ الَّتِي هِيَ الْمَقَاصِدُ وَالنِّيَّاتُ الَّتِي هِيَ عَمَلُ الْقَلْبِ وَهِيَ أَصْلُ الدِّينِ : تَارَةً تُقَامُ وَتَارَةً تُزَاغُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا مِنْ قَلْبٍ مِنْ قُلُوبِ الْعِبَادِ إلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ } فَإِقَامَةُ الْوَجْهِ ضِدُّ إزَاغَتِهِ وَإِمَالَتِهِ وَهُوَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ .
فَإِذَا قَوَّمَ قَصْدَهُ وَسَدَّدَهُ وَلَمْ يَنْحَرِفْ يَمِيناً وَلَا شِمَالاً كَانَ قَصْدُهُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَمَا قَالَ : { لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ } وَكَذَلِكَ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ : " اجْعَلُوا سُجُودَكُمْ خَالِصاً لِلَّهِ " فَلَا تَسْجُدُوا إلَّا لِلَّهِ .
وَرُوِيَ عَنْ الضَّحَّاكِ وَابْنِ قُتَيْبَةَ " إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ وَأَنْتُمْ عِنْدَ مَسْجِدٍ فَصَلُّوا فِيهِ وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : أُصَلِّي فِي مَسْجِدِي كَأَنَّهُ أَرَادَ صَلُّوا لِلَّهِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ لَا تَخُصُّوا مَسْجِداً دُونَ مَسْجِدٍ .
وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يَتَوَجَّهُ مَا ذَكَرْنَاهُ .
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ والسدي وَابْنِ زَيْدٍ : " تَوَجَّهُوا حَيْثُ كُنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ إلَى الْكَعْبَةِ " .
وَعَلَى هَذَا : فَإِقَامَةُ الْوَجْهِ اسْتِقْبَالُ الْكَعْبَةِ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَكِّيَّةٌ وَالْكَعْبَةُ إنَّمَا فُرِضَتْ فِي الْمَدِينَةِ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِإِقَامَةِ الْوَجْهِ الِاسْتِقْبَالُ الْمَأْمُورُ بِهِ .
مجموعة الفتاوى — صفحة 432
مساهمون: ابن تيمية
ص٤٣٢