وَيَمْرَضُ وَيَبُولُ وَيَنْكِحُ وَيُنْكَحُ وَأَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِكُلِّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْكَمَالُ عِنْدَهُمْ .
كَمَا قَالَ فِي " الْفُصُوصِ " : فَالْعَلِيُّ بِنَفْسِهِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ لَهُ الْكَمَالُ الَّذِي يَسْتَقْصِي بِهِ جَمِيعَ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ وَالنِّسَبِ الْعَدَمِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مَحْمُودَةً عُرْفاً وَعَقْلاً وَشَرْعاً أَوْ مَذْمُومَةً عُرْفاً وَعَقْلاً وَشَرْعاً وَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِمُسَمَّى اللَّهِ خَاصَّةً وَقَالَ : أَلَا تَرَى الْحَقَّ يَظْهَرُ بِصِفَاتِ الْمُحْدَثَاتِ وَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَبِصِفَاتِ النَّقْصِ وَالذَّمِّ ؟ أَلَا تَرَى الْمَخْلُوقَ يَظْهَرُ بِصِفَاتِ الْخَالِقِ ؟ فَهِيَ كُلُّهَا مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا صِفَاتٌ لِلْعَبْدِ كَمَا أَنَّ صِفَاتِ الْعَبْدِ مِنْ أَوَّلِهَا إلَى آخِرِهَا صِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى .
وَهَذَا الْمُتَكَلِّمُ بِمِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ يَتَنَاقَضُ فِيهِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لَهُ : فَأَنْتَ الْكَامِلُ فِي نَفْسِك الَّذِي لَا تَرَى عَابِداً وَلَا مَعْبُوداً بِمُوجِبِ مَذْهَبِك فَتُضْرَبُ وَتُوجَعُ وَتُهَانُ وَتُصْفَعُ وَإِذَا تَظَلَّمَ مِمَّنْ فَعَلَ بِهِ ذَلِكَ وَاشْتَكَى وَصَاحَ مِنْهُ وَبَكَى قِيلَ لَهُ : مَا ثَمَّ غَيْرٌ وَلَا عَابِدٌ وَلَا مَعْبُودٌ فَلَمْ يَفْعَلْ بِك هَذَا غيرك بَلْ الضَّارِبُ هُوَ الْمَضْرُوبُ وَالشَّاتِمُ هُوَ الْمَشْتُومُ وَالْعَابِدُ هُوَ الْمَعْبُودُ فَإِنْ قَالَ : تَظَلَّمَ مِنْ نَفْسِهِ وَاشْتَكَى مِنْ نَفْسِهِ قِيلَ لَهُ أَيْضاً : فَقُلْ عَبَدَ نَفْسَهُ فَإِذَا أَثْبَتَ ظَالِماً وَمَظْلُوماً وَهُمَا وَاحِدٌ قِيلَ لَهُ : فَأَثْبَتَ عَابِداً وَمَعْبُوداً وَهُمَا وَاحِدٌ .
ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : هَذَا الَّذِي يَضْحَكُ وَيَضْرِبُ : هُوَ نَفْسُ الَّذِي يَبْكِي وَيَصِيحُ ؟ وَهَذَا الَّذِي شَبِعَ وَرَوِيَ : هُوَ نَفْسُ هَذَا الَّذِي جَاعَ وَعَطِشَ ؟ فَإِنْ اعْتَرَفَ بِأَنَّهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 356
مساهمون: ابن تيمية
ص٣٥٦