تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مجموعة الفتاوى — صفحة 289

مساهمون:

ص٢٨٩
وَتَعَالَى - اشْتَاقَ بِأَنْ يَرَى ذَاتَه الْمُقَدَّسَةَ فَخَلَقَ مِنْ نُورِهِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجَعَلَهُ كَالْمِرْآةِ يَنْظُرُ إلَى ذَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ فِيهَا وَإِنِّي أَنَا ذَلِكَ النُّورُ وَآدَمُ الْمِرْآةُ . قَالَ ابْنُ الْفَارِضِ فِي قَصِيدَتِهِ السُّلُوكِ :
وَشَاهِدْ إذَا اسْتَجْلَيْت نَفْسَك * مَنْ تَرَى بِغَيْرِ مِرَاءٍ فِي الْمِرْآةِ الصَّقِيلَةِ أَغَيْرُك فِيهَا لَاحَ أَمْ أَنْتَ نَاظِرٌ * إلَيْك بِهَا عِنْدَ انْعِكَاسِ الْأَشِعَّةِ ؟
قَالَ : وَقَالَ ابْنُ إسْرَائِيلَ الْأَمْرُ أَمْرَانِ : أَمْرٌ بِوَاسِطَةِ وَأَمْرٌ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَالْأَمْرُ الَّذِي بِالْوَسَائِطِ رَدَّهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَقَبِلَهُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَالْأَمْرُ الَّذِي بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ لَا يُمْكِنُ رَدُّهُ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ } . فَقَالَ لَهُ فَقِيرٌ : إنَّ اللَّهَ قَالَ لِآدَمَ بِلَا وَاسِطَةٍ : لَا تَقْرَبُ الشَّجَرَةَ - فَقَرِبَ وَأَكَلَ . فَقَالَ : صَدَقْت وَذَلِكَ أَنَّ آدَمَ إنْسَانٌ كَامِلٌ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ شَيْخُنَا عَلِيٌّ الْحَرِيرِيُّ : آدَمَ صَفِيُّ اللَّهِ تَعَالَى كَانَ تَوْحِيدُهُ ظَاهِراً وَبَاطِناً فَكَانَ قَوْلُهُ لِآدَمَ " لَا تَقْرَبْ الشَّجَرَةَ " ظَاهِراً وَكَانَ أَمْرُهُ " كُلْ " بَاطِناً فَأَكَلَ فَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى . وَإِبْلِيسُ كَانَ تَوْحِيدُهُ ظَاهِراً فَأُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَرَآهُ غَيْراً فَلَمْ يَسْجُدْ . فَغَيْرُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَالَ : { اخْرُجْ مِنْهَا } . وَقَالَ شَخْصٌ لِسَيِّدِي يَا سَيِّدِي حَسَنُ إذَا كَانَ اللَّهُ يَقُولُ لِنَبِيِّهِ : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ } أيش نَكُونُ نَحْنُ ؟ فَقَالَ سَيِّدِي لَهُ : لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا تَقُولُ أَوْ تَظُنُّ فَقَوْلُهُ لَهُ : { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ } عَيْنُ الْإِثْبَاتِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
مجموعة الفتاوى — صفحة 289 | ابن تيمية