فَكَلَامٌ صَحِيحٌ ؛ لَكِنْ لَيْسَ فِيهِ مَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفاً مَأْمُوراً مَنْهِيّاً مُصَلِّياً صَائِماً قَاتِلاً زَانِياً .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَالْفِعْلُ لِلَّهِ حَقِيقَةً ؛ وَلِلْعَبْدِ مَجَازٌ .
فَهَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ بَلْ الْعَبْدُ هُوَ الْمُصَلِّي الصَّائِمُ الْحَاجُّ الْمُعْتَمِرُ الْمُؤْمِنُ وَهُوَ الْكَافِرُ الْفَاجِرُ الْقَاتِلُ الزَّانِي السَّارِقُ حَقِيقَةً وَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُوصَفُ بِشَيْءِ مِنْ هَذِهِ الصِّفَاتِ بَلْ هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ ؛ لَكِنَّهُ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْعَبْدَ فَاعِلاً لِهَذِهِ الْأَفْعَالِ فَهَذِهِ مَخْلُوقَاتُهُ وَمَفْعُولَاتُهُ حَقِيقَةً وَهِيَ فِعْلُ الْعَبْدِ أَيْضاً حَقِيقَةً .
وَلَكِنَّ طَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ - الْمُثْبِتِينَ لِلْقَدَرِ - ظَنُّوا أَنَّ الْفِعْلَ هُوَ الْمَفْعُولُ وَالْخَلْقَ هُوَ الْمَخْلُوقُ ؛ فَلَمَّا اعْتَقَدُوا أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ مَخْلُوقَةٌ مَفْعُولَةٌ لِلَّهِ : قَالُوا فَهِيَ فِعْلُهُ .
فَقِيلَ لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ : أَهِيَ فِعْلُ الْعَبْدِ ؟ فَاضْطَرَبُوا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هِيَ كَسْبُهُ لَا فِعْلُهُ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الْكَسْبِ وَالْفِعْلِ بِفَرْقِ مُحَقَّقٍ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَلْ هِيَ فِعْلٌ بَيْنَ فَاعِلَيْنِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَلْ الرَّبُّ فَعَلَ ذَاتَ الْفِعْلِ وَالْعَبْدُ فَعَلَ صِفَاتِهِ .
وَالتَّحْقِيقُ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ السُّنَّةِ وَجُمْهُورِ الْأُمَّةِ ؛ مِن الفَرْقِ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْمَفْعُولِ وَالْخَلْقِ وَالْمَخْلُوقِ ؛ فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ هِيَ كَغَيْرِهَا مِن المُحْدَثَاتِ مَخْلُوقَةٌ مَفْعُولَةٌ لِلَّهِ : كَمَا أَنَّ نَفْسَ الْعَبْدِ وَسَائِرَ صِفَاتِهِ مَخْلُوقَةٌ مَفْعُولَةٌ لِلَّهِ وَلَيْسَ ذَلِكَ نَفْسَ خَلْقِهِ وَفِعْلِهِ بَلْ هِيَ مَخْلُوقَةٌ وَمَفْعُولَةٌ وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ هِيَ فِعْلُ الْعَبْدِ الْقَائِمِ بِهِ لَيْسَتْ قَائِمَةً بِاَللَّهِ وَلَا يَتَّصِفُ بِهَا فَإِنَّهُ لَا يَتَّصِفُ بِمَخْلُوقَاتِهِ وَمَفْعُولَاتِهِ ؛
مجموعة الفتاوى — صفحة 119
مساهمون: ابن تيمية
ص١١٩