فَيُقَالُ جَوَاباً عَامّاً : مَنْ ادَّعَى أَنَّ شَيْخاً مِن المَشَايِخِ يُخَلِّصُ مُرِيدِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِن العَذَابِ : فَقَدْ ادَّعَى أَنَّ شَيْخَهُ أَفْضَلُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ قَالَ هَذَا فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ .
فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَا أُغْنِي عَنْك مِن اللَّهِ شَيْئاً يَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْك مِن اللَّهِ شَيْئاً يَا عَبَّاسُ عَمَّ رَسُولِ اللَّهِ لَا أُغْنِي عَنْك مِن اللَّهِ شَيْئاً سَلُونِي مَا شِئْتُمْ مِنْ مَالِي } وَثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ : { لَا أُلْفِيَنَّ أَحَدَكُمْ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغَاءٌ فَيَقُولُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَغِثْنِي فَأَقُولُ : لَا أُغْنِي عَنْك مِن اللَّهِ شَيْئاً قَدْ بَلَّغْتُك الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ .
} وَذُكِرَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِن الأَقْوَالِ .
فَإِذَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مِثْلَ هَذَا لِأَهْلِ بَيْتِهِ وَأَصْحَابِهِ الَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ ؛ مِن المُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ - يَقُولُ إنَّهُ لَيْسَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِن اللَّهِ شَيْئاً - فَكَيْفَ يُقَالُ : فِي شَيْخٍ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِن التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانِ ؟ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ } { ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ } { يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ } وَقَالَ : { وَاتَّقُوا يَوْماً لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً } وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ .
وَقَدْ عُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِلْأَنْبِيَاءِ وَغَيْرِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَّا الشَّفَاعَةُ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ آدَمَ لِيَشْفَعَ فَيَقُولُ : نَفْسِي نَفْسِي وَكَذَلِكَ يَقُولُ نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى - وَهَؤُلَاءِ هُمْ أُولُوا الْعَزْمِ مِن الرُّسُلِ -
مجموعة الفتاوى — صفحة 105
مساهمون: ابن تيمية
ص١٠٥