القراءة : قرأ ابن عامر وحفص : ( قال أولو ) . وقرأ الباقون : ( قل أولو ) .
وقرأ أبو جعفر : ( جئناكم ) . والباقون : ( جئتكم ) .
الحجة : قال أبو علي : من قرأ ( قال ) فالمعنى : قال لهم النذير أولو جئتكم .
ومن قرأ ( قل ) فإنه يكون حكاية ما أوحي إلى النذير ، كأنه أوحينا إليه ، فقلنا له : قل
لهم أولو جئتكم بأهدى من ذلك .
المعنى : لما حكى الله سبحانه تخرص من أضاف عبادة الأصنام والملائكة إلى
مشيئة الله ، قال : ( أم آتيناهم كتابا ) وهو استفهام بمعنى التقرير لهم على خطئهم ،
والتقدير : أهذا الذي ذكروه شئ تخرصوه وافتعلوه ، أم آتيناهم كتابا . ( من قبله فهم
به مستمسكون ) أي مستمسكون بذلك . فإذا لم يمكنهم ادعاء أن الله تعالى أنزل
بذلك كتابا ، علم أن ذلك من تخرصهم ، ودل أم على حذف حرف الاستفهام ، لأنه
المعادل له .
ثم أعلم أنهم اتبعوا آباءهم في الضلالة فقال : ليس الأمر كذلك ( بل قالوا إنا
وجدنا آبائنا على أمة ) أي على ملة وطريقة ، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي .
وقيل : على جماعة ، أي كانوا مجتمعين موافقين على ما نحن عليه ، عن الجبائي .
( وإنا على آثارهم مهتدون ) نهتدي بهداهم . ثم قال سبحانه : ( وكذلك ) أي ومثل
ما قال هؤلاء في الحوالة على تقليد آبائهم في الكفر ( ما أرسلنا من قبلك ) يا محمد
( في قرية ) ومجمع من الناس ( من نذير ) أي نذيرا ، لأن ( من ) زائدة . ( إلا قال
مترفوها ) وهم المتنعمون الذين آثروا الترفه على طلب الحجة ، يريد الرؤساء ( إنا
وجدنا آبائنا على أمة وإنا على أثارهم مقتدون ) نقتدي بهم ، فلا نخالفهم . وأحال
جميعهم على التقليد للآباء فحسب ، دون الحجة والتقليد قبيح في العقول ، إذ لو
كان جائزا لكان يلزم في ذلك أن يكون الحق في الشئ ونقيضه ، فكل فريق يقلد
أسلافه مع أن كلا منهم يعتقد أن من سواه على خطأ وضلال ، وهذا باطل لا شبهة في
بطلانه . فإذا لا بد من الرجوع إلى حجة عقلية أو سمعية .
ثم قال سبحانه للنذير : ( قل ) لهم ( أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه
آبائكم ) تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم ، ولا تقبلون ما جئتكم به . وفي هذا أحسن
التلطف في الاستدعاء إلى الحق ، وهو أنه لو كان ما يدعونه حقا وهدى ، وكان ما
جئتكم به من الحق أهدى منه ، كان أوجب أن يتبع ويرجع إليه .
تفسير مجمع البيان — صفحة 75
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٧٥