التي فيه ، كما يستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم . وإذا دخل المعنى في تعظيم الله ،
حسن الاستفتاح به ( يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون ) قيل : إن الخطاب
للمنافقين ، وهو تقريع لهم بأنهم يظهرون الإيمان ، ولا يبطنونه . وقيل : إن الخطاب
للمؤمنين ، وتعيير لهم أن يقولوا شيئا ، ولا يفعلونه ، فال الجبائي : هذا على ضربين
أحدهما : أن يقول سأفعل ، ومن عزمه أن لا يفعله ، فهذا قبيح مذموم والاخر : أن
يقول سأفعل ومن عزمه أن يفعله ، والمعلوم أنه لا يفعله ، فهذا قبيح ، لأنه لا يدري
أيفعله أم لا ، ولا ينبغي في مثل هذا أن يقرن بلفظة : إن شاء الله . ( كبر مقتا عند
الله أن تقولوا ما لا تفعلون ) أي كبر هذا القول ، وعظم مقتا عند الله ، وهو أن تقولوا
ما لا تفعلونه . وقيل : معناه كبر أن تقولوا ما لا تفعلونه ، وتعدوا من أنفسكم ما لا
تفون به مقتا عند الله ( إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا ) أي يصفون أنفسهم
عند القتال صفا . وقيل : يقاتلون في سبيله مصطفين ( كأنهم بنيان مرصوص ) كأنه
بني بالرصاص لتلاؤمه ، وشدة اتصاله . وقيل : كأنه حائط ممدود ، رص على البناء
في إحكامه واتصاله واستقامته . أعلم الله سبحانه أنه يحب من ثبت في القتال ، ويلزم
مكانه كثبوت البناء المرصوص ، ومعنى محبة الله إياهم أنه يريد ثوابهم ومنافعهم .
ثم ذكر سبحانه حديث موسى عليه السلام في صدق نيته ، وثبات عزيمته على الصبر
في أذى قومه ، تسلية للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في تكذيبهم إياه فقال : ( وإذ قال موسى لقومه يا
قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم ) هذا إنكار عليهم إيذاءه بعد ما
علموا أنه رسول الله ، والرسول يعظم ، ويبجل ، ولا يؤذى . وكان قومه آذوه بأنواع
من الأذى ، وهو قولهم : ( اجعل لنا إلها ) ، و ( اذهب أنت وربك فقاتلا ) . وما
روي في قصة قارون أنه دس إليه امرأة ، وزعم أنه زنى بها ، ورموه بقتل هارون .
وقيل : إن ذلك حين رموه بالأدرة ، وقد ذكرنا ذلك عند قوله : ( ولا تكونوا كالذين
آذوا موسى ) الآية . ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) أي فلما مالوا عن الحق
والاستقامة ، خلاهم وسوء اختيارهم ، ومنعهم الألطاف التي يهدي بها قلوب
المؤمنين ، كقوله ( ومن يؤمن بالله يهد قلبه ) عن أبي مسلم . وقيل : أزاغ الله قلوبهم
عما يحبون ( إلى ما يكرهون . ولا يجوز أن يكون المراد : أزاغ الله قلوبهم عن
الإيمان ، لأن الله تعالى لا يجوز أن يزيغ أحدا عن الإيمان . وأيضا فإنه يخرج الكلام
عن الفائدة ، لأنهم إذا زاغوا عن الإيمان ، فقد حصلوا كفارا ، فلا معنى لقوله أزاغهم
تفسير مجمع البيان — صفحة 461
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٦١