اليوم ، فلا يرى القريب المؤمن في الجنة قريبه الكافر في النار . وقيل : معناه يقضي
بينكم من فصل القضاء ( والله بما تعملون بصير ) أي عليم بأعمالكم . علم الله
سبحانه بما عمله حاطب من مكاتبة أهل مكة حتى أخبر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بذلك .
ثم ضرب سبحانه لهم إبراهيم مثلا في ترك موالاة الكفار ، فقال : ( قد كانت
لكم أسوة حسنة ) أي اقتداء حسن ( في إبراهيم ) خليل الله ( والذين معه ) ممن آمن
به واتبعه . وقيل : الذين معه من الأنبياء ، عن ابن زيد ( إذ قالوا لقومهم ) الكفار
( إنا برآء منكم ) فلا نواليكم ( ومما تعبدون من دون الله ) أي وبراء من الأصنام التي
تعبدونها . ويجوز أن يكون ( ما ) مصدرية ، فيكون المعنى : ومن عبادتكم الأصنام
( كفرنا بكم ) أي يقولون لهم : جحدنا دينكم ، وأنكرنا معبودكم ( وبدا بيننا وبينكم
العداوة والبغضاء أبدا ) فلا يكون بيننا موالاة في الدين ( حتى تؤمنوا بالله وحده ) أي
تصدقوا بوحدانية الله ، وإخلاص التوحيد والعبادة له . قال الفراء : يقول الله تعالى
أفلا تأتسي يا حاطب بإبراهيم وقومه ، فتبرأ من أهلك كما تبرأوا منهم أي : من قومهم
الكفار ( إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك ) أي اقتدوا بإبراهيم في كل أموره إلا في
هذا القول ، فلا تقتدوا به فيه ، فإنه عليه السلام إنما استغفر لأبيه عن موعدة وعدها إياه
بالإيمان . فلما تبين له أنه عدو لله ، تبرأ منه . قال الحسن : وإنما تبين له ذلك عند
موت أبيه ، ولو لم يستثن ذلك ، لظن أنه يجوز الاستغفار للكفار مطلقا من غير موعدة
بالإيمان منهم ، فنهوا أن يقتدوا به في هذا خاصة ، عن مجاهد ، وقتادة . وابن زيد .
وقيل : كان آزر ينافق إبراهيم ، ويريه أنه مسلم ، ويعده إظهار الاسلام ، فيستغفر
له ، عن الحسن والجبائي .
ثم قال : ( وما أملك لك من الله من شئ ) إذا أراد عقابك ، ولا يمكنني دفع
ذلك ، عنك ( ربنا عليك توكلنا ) أي وكانوا يقولون ذلك ( وإليك أنبنا ) أي ( إلى طاعتك
رجعنا ( وإليك المصير ) أي إلى حكمك المرجع وهذه حكاية لقول إبراهيم وقومه .
ويحتمل أن يكون تعليما لعباده أن يقولوا ذلك ، فيفوضوا أمورهم إليه ، ويرجعون إليه
بالتوبة ( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا ) معناه : لا تعذبنا بأيديهم ، ولا ببلاء من
عندك ، فيقولوا : لو كان هؤلاء على حق لما أصابهم هذا البلاء ، عن مجاهد .
وقيل : معناه ولا تسلطهم علينا ، فيفتنونا عن دينك . وقيل : معناه ألطف بنا حتى
نصبر على أذاهم ، ولا نتبعهم فنصير فتنة لهم . وقيل : معناه اعصمنا من موالاة
تفسير مجمع البيان — صفحة 448
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٤٨