المعنى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) خاطب سبحانه
المؤمنين ، ونهاهم أن يتخذوا الكافرين أولياء يوالونهم ، ويستنصرون بهم ،
وينصرونهم ( تلقون إليهم بالمودة ) أي تلقون إليهم المودة ، وتبذلون لهم النصيحة .
يقال : ألقيت إليك بسري . وقيل : معناه تلقون إليهم أخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالمودة
التي بينكم وبينهم ، عن الزجاج . ( وقد كفروا بما جاءكم من الحق ) وهو القرآن
والإسلام ( يخرجون الرسول وإياكم ) من مكة ( أن تؤمنوا بالله ربكم ) أي لأن
تؤمنوا ، أو كراهة أن تؤمنوا . فكأنه قال : يفعلون ذلك لإيمانكم بالله ربكم الذي
خلقكم ( إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي ) والمعنى : إن كان
غرضكم في خروجكم وهجرتكم ، الجهاد وطلب رضاي ، فأوفوا خروجكم حقه من
معاداتهم ، ولا تلقوا إليهم بالمودة ، ولا تتخذوهم أولياء ( تسرون إليهم بالمودة ) أي
تعلمونهم في السر أن بينكم وبينهم مودة وقيل : الباء للتعليل أي تعلمونهم بأحوال
الرسول في السر بالمودة التي بينكم وبينهم ، فعل من يظن أنه يخفى علي ما يفعله
( وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ) لا يخفى علي شئ من ذلك ، فأطلع رسولي عليه
( ومن يفعله منكم ) أي ومن أسر إليهم بالمودة ، وألقى إليهم أخبار رسولي منكم يا
جماعة المؤمنين ، بعد هذا البيان ( فقد ضل سواء السبيل ) أي عدل عن طريق
الحق ، وجار عن سبيل الرشد . وفي هذه الآية دلالة على أن الكبيرة لا تخرج عن
الإيمان ، لأن أحدا من المسلمين لا يقول إن حاطبا قد خرج من الإيمان بما فعله من
الكبيرة الموبقة .
( إن يثقفوكم ) يعني أن هؤلاء الكفار إن يصادفوكم مقهورين ، ويظفروا بكم
( يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء ) أي يمدوا إليكم أيديهم
بالضرب والقتل ، ويبسطوا إليكم ألسنتهم بالشتم ، والمعنى : إنهم يعادونكم ، ولا
ينفعكم ما تلقون إليهم ، ولا يتركون غاية في إلحاق السوء بكم باليد واللسان
( وودوا ) مع ذلك ( لو تكفرون ) بالله كما كفروا ، وترجعون عن دينكم ( لن تنفعكم
أرحامكم ) أي ذوو أرحامكم والمعنى : قراباتكم ( ولا أولادكم ) أي لا يحملنكم
قراباتكم ، ولا أولادكم التي بمكة ، على خيانة النبي صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين . فلن ينفعكم
أولئك الذين عصيتم الله لأجلهم . ( يوم القيامة يفصل ) الله ( بينكم ) فيدخل أهل
الإيمان والطاعة الجنة ، وأهل الكفر والمعصية النار ، ويميز بعضكم من بعض ، ذلك
تفسير مجمع البيان — صفحة 447
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٤٧