( فلذلك فادع ) أي : فإلى ذلك فادع ، عن الفراء والزجاج . يقال : دعوت
لفلان وإلى فلان ، وذلك إشارة إلى ما وصى به الأنبياء من التوحيد ، ومعناه : فإلى
الدين الذي شرعه الله تعالى ، ووصى به أنبياءه ، فادع الخلق يا محمد . وقيل : إن
اللام للتعليل أي فلأجل الشك الذي هم فيه ، فادعهم إلى الحق ، حتى تزيل
شكهم . ( واستقم كما أمرت ) أي : فاثبت على أمر الله ، وتمسك به ، واعمل
بموجبه . وقيل : واستقم على تبليغ الرسالة .
( ولا تتبع أهواءهم ) يعني أهواء المشركين في ترك التبليغ . ( وقل آمنت بما
أنزل الله من كتاب ) أي : آمنت بكتب الله التي أنزلها على الأنبياء قبلي كلها .
( وأمرت لأعدل بينكم ) أي : كي أعدل بينكم أي أسوي بينكم في الدين والدعاء إلى
الحق ، ولا أحابي أحدا . وقيل : معناه أمرت بالعدل بينكم في جميع الأشياء . وفي
الحديث : ( ثلاث منجيات ، وثلاث مهلكات : فالمنجيات العدل في الرضاء
والغضب ، والقصد في الغنى والفقر ، وخشية الله في السر والعلانية . والمهلكات :
شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه ) .
( الله ربنا وربكم ) أي : وقل لهم أيضا الله مدبرنا ومدبركم ، ومصرفنا
ومصرفكم ، والمنعم علينا وعليكم . وإنما قال ذلك لأن المشركين قد اعترفوا بأن الله
هو الخالق . ( لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ) أي : لا يضرنا إصراركم على الكفر ، فإن
جزاء أعمالنا لنا ، وجزاء أعمالكم لكم ، لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره . ( لا حجة بيننا
وبينكم ) أي : لا خصومة بيننا وبينكم ، عن مجاهد وابن زيد . والمعنى : إن الحق
قد ظهر فسقط الجدال والخصومة . وكنى بالحجة عن الخصومة ، لاحتجاج أحد
الخصمين على الآخر ، وهذا قبل أن يؤمر بالقتال . وإذا لم يؤمر بالقتال وأمر بالدعوة ،
لم تكن بينه وبين من لا يجيب خصومة . وقيل : معناه لا حجة بيننا وبينكم لظهور
أمركم في البغي علينا ، والعداوة لنا ، والمعاندة لا على طريق الشبهة ، وليس ذلك
تحريما لإقامة الحجة ، لأنه لا يلزم قبول الدعوة إلا بالحجة التي يظهر بها المحق من
المبطل ، فإذا صار الانسان إلى البغي والعداوة ، سقط الحجاج بينه وبين أهل الحق .
( الله يجمع بيننا ) يوم القيامة لفصل القضاء ( وإليه المصير ) يحكم بيننا بالحق . وفي
هذا غاية التهديد .
تفسير مجمع البيان — صفحة 43
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٣