المعنى : ثم ذكر سبحانه تمام الخبر ، عن المنافقين فقال : ( اتخذوا أيمانهم )
التي يحلفون بها ( جنة ) أي سترة وترسا ، يدفعون بها عن نفوسهم التهمة والظنة ، إذا
ظهرت منهم الريبة . ( فصدوا ) نفوسهم وغيرهم ( عن سبيل الله ) الذي هو الحق
والهدى ( فلهم عذاب مهين ) يهينهم ويذلهم ويخزيهم ( لن تغني عنهم أموالهم )
التي جمعوها ( ولا أولادهم ) الذين خلفوهم ( من الله شيئا أولئك أصحاب النار هم
فيها خالدون ) ظاهر المعنى .
( يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له ) أي يقسمون لله ( كما يحلفون لكم ) في
دار الدنيا بأنهم كانوا مؤمنين في الدنيا في اعتقادهم وظنهم ، لأنهم كانوا يعتقدون أن
ما هم عليه هو الحق ( ويحسبون أنهم على شئ ) أي ويحسب المنافقون في الدنيا
أنهم مهتدون لأن في الآخرة تزول الشكوك . وقال الحسن : في القيامة مواطن :
فموطن يعرفون فيه قبح الكذب ضرورة فيتركونه ، وموطن يكونون فيه كالمدهوش ،
فيتكلمون بكلام الصبيان الكذب وغير الكذب ، ويحسبون أنهم على شئ في ذلك
الموضع الذي يحلفون فيه بالكذب .
( ألا إنهم هم الكاذبون ) في أيمانهم وأقوالهم في الدنيا . وقيل : معناه أولئك
هم الخائبون ، كما يقال : كذب ظنه أي خاب أمله ( استحوذ عليهم الشيطان ) أي
استولى عليهم ، وغلب عليهم لشدة اتباعهم إياه ( فأنساهم ذكر الله ) حتى لا يخافون
الله ، ولا يذكرونه ( أولئك حزب الشيطان ) أي جنوده ( ألا إن حزب الشيطان هم
الخاسرون ) يخسرون الجنة ، ويحصل لهم بدلها النار ( إن الذين يحادون الله
ورسوله ) أي يخالفونه في حدوده ، ويشاقونه وهم المنافقون ( أولئك في الأذلين ) فلا
أحد أذل منهم في الدنيا ، ولا في الآخرة . قال عطاء : يريد الذل في الدنيا ،
والخزي في الآخرة .
( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ) أي : كتب الله في اللوح المحفوظ . وما كتبه
فلا بد من أن يكون . أجرى قوله ( كتب الله ) مجرى القسم ، فأجابه بجواب القسم .
قال الحسن : ما أمر الله نبيا قط بحرب إلا غلب ، إما في الحال ، أو فيما بعد . وقال
قتادة كتب الله كتابا فأمضاه : ( لأغلبن أنا ورسلي ) . ويجوز أن يكون المعنى : قضى
الله ووعد ( لأغلبن أنا ورسلي ) بالحجج والبراهين ، وإن جاز أن يغلب بعضهم في
الحرب ( إن الله قوي عزيز ) أي غالب قاهر لمن نازع أولياءه . ويروى أن المسلمين
قالوا لما رأوا ما يفتح الله عليهم من القرى : ليفتحن الله علينا الروم وفارس ، فقال
تفسير مجمع البيان — صفحة 421
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٢١