فلما انصرفت أرادها فأبت عليه ، فغضب عليها ، وكان امرأ فيه سرعة ولمم . فقال
لها : أنت علي كظهر أمي ! ثم ندم على ما قال . وكان الظهار من طلاق أهل
الجاهلية . فقال لها : ما أظنك إلا وقد حرمت علي . فقالت : لا تقل ذلك ، وائت
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فاسأله . فقال : إني أجد أني أستحيي منه أن أسأله عن هذا .
قالت : فدعني أسأله . فقال : سليه .
فاتت النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعائشة تغسل شق رأسه ، فقالت : يا رسول الله ! إن زوجي
أوس بن الصامت ، تزوجني وأنا شابة ، غانية ، ذات مال وأهل ، حتى إذا كل مالي ،
وأفنى شبابي ، وتفرق أهلي ، وكبرت سني ، ظاهر مني ، وقد ندم ، فهل من شئ
يجمعني وإياه ، فتنعشني به ؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ما أراك إلا حرمت عليه . فقالت : يا
رسول الله ! والذي أنزل عليك الكتاب ، ما ذكر طلاقا ، وإنه أبو ولدي ، وأحب
الناس إلي . فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ما أراك إلا حرمت عليه ، ولم أؤمر في شأنك بشئ .
فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وإذا قال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : حرمت
عليه ، هتفت وقالت : أشكو إلى الله فاقتي ، وحاجتي ، وشدة حالي . اللهم فأنزل
على لسان نبيك . وكان هذا أول ظهار في الاسلام . فقامت عائشة تغسل شق رأسه
الأخر ، فقالت : انظر في أمري ، جعلني الله فداك يا نبي الله . فقالت عائشة :
أقصري حديثك ومجادلتك . أما ترين وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وكان صلى الله عليه وآله وسلم إذا نزل
عليه الوحي ، أخذه مثل السبات .
فلما قضى الوحي قال : ادعى زوجك . فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( قد سمع
الله قول التي تجادلك في زوجها ) إلى تمام الآيات . قالت عائشة : تبارك الذي وسع
سمعه الأصوات كلها ، إن المرأة لتحاور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا في ناحية البيت أسمع
بعض كلامها ، ويخفى علي بعضه ، إذ أنزل الله ( قد سمع ) . فلما تلا عليه هذه
الآيات قال له : هل تستطيع أن تعتق رقبة ؟ قال : إذا يذهب مالي كله ، والرقبة
غالية ، وإني قليل المال . فقال : فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين ؟ فقال :
والله يا رسول الله إني إذا لم آكل ثلاث مرات كل بصري وخشيت أن تغشى عيني
قال : فهل تستطيع أن تطعم ستين مسكينا ؟ قال : لا والله إلا أن تعينني على ذلك يا
رسول الله . فقال : إني معينك بخمسة عشر صاعا ، وأنا داع لك بالبركة ، فأعانه
رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخمسة عشر صاعا ، فدعا له البركة ، فاجتمع لهما أمرهما .
تفسير مجمع البيان — صفحة 409
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٠٩