( وأنزلنا معهم الكتاب ) المكتوب الذي يتضمن الأحكام ، وما يحتاج إليه الخلق من
الحلال والحرام ، كالتوراة والإنجيل والقرآن . ( والميزان ) أي وأنزلنا معهم من
السماء الميزان ذا الكفتين ، الذي يوزن به ، عن ابن زيد ، والجبائي ، ومقاتل بن
سليمان . وقيل : معناه أنزلنا صفة الميزان . ( ليقوم الناس ) في معاملاتهم
( بالقسط ) أي بالعدل ، والمراد : وأمرنا بالعدل كقوله ( الله الذي أنزل الكتاب بالحق
والميزان ) ، عن قتادة ، ومقاتل بن حيان .
( وأنزلنا الحديد ) روي عن ابن عمر ، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن الله
أنزل أربع بركات من السماء إلى الأرض : أنزل الحديد والنار والماء والملح ) . وقال
أهل المعاني : معنى أنزلنا الحديد : أنشأناه وأحدثناه ، كقوله ( وأنزل لكم من الأنعام
ثمانية أزواج ) وإلى هذا ذهب مقاتل فقال معناه : بأمرنا كان الحديد . وقال قطرب :
معنى أنزلنا هنا هيأنا وخلقنا ، من النزل ، وهو ما يهيأ للضيف أي أنعمنا بالحديد
وهيأناه لكم . وقيل : أنزل مع آدم من الحديد العلاة ، وهي السندان ، والكلبتان ،
والمطرقة ، عن ابن عباس .
( فيه بأس شديد ) أي يمتنع به ، ويحارب به ، عن الزجاج . والمعنى أنه يتخذ
منه آلتان : آلة للدفع ، وآلة للضرب ، كما قال مجاهد فيه جنة وسلاح . ( ومنافع
للناس ) يعني ما ينتفعون به في معاشهم ، مثل : السكين ، والفأس ، والإبرة ،
وغيرها مما يتخذ من الحديد من الآلات . وقوله : ( وليعلم الله من ينصره ورسله
بالغيب ) معطوف على قوله ( ليقوم الناس بالقسط ) أي ليعاملوا بالعدل ، وليعلم الله
نصرة من ينصره موجودة ، وجهاد من جاهد مع رسوله موجودا . وقوله : ( بالغيب )
أي بالعلم الواقع بالاستدلال والنظر من غير مشاهدة بالبصر ( إن الله قوي ) على
الانتقام من أعدائه ( عزيز ) أي منيع من أن يعترض عليه في أرضه وسمائه .
النظم : وجه اتصال قوله ( وما أصاب من مصيبة ) الآية بما قبلها أنه سبحانه لما
بين الثواب على الطاعات ، عقبه ببيان الأعواض على مقاساة المصائب والملمات ،
فقال : لا يذهب علينا عوض من أصابته مصيبة ما ، فإن كانت من فعلنا نعوضه
بالأضعاف من جزائنا ، وإن كان من فعل عبادنا فباستيفائنا ذلك منهم . ثم أكد ذلك
بقوله ( لكيلا تأسوا ) الآية . لأن المصيبة لو كانت بغير عوض في العاقبة ، لازداد
الأسى والحزن ، فإن الحزن كل الحزن في الخسران الذي ليس له جبران . ثم عقب
تفسير مجمع البيان — صفحة 401
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٠١