وجه ، قال : وفيها وجه آخر ، جاء في التفسير أنهم كانوا يرون من ملوكهم ما لا
يصبرون عليه ، فاتخذوا أسرابا وصوامع ، وابتدعوا ذلك . فلما ألزموا أنفسهم ذلك
التطوع ، ودخلوا عليه ، لزمهم تمامه ، كما أن الانسان إذا جعل على نفسه صوما ،
لم يفرض عليه ، لزمه أن يتمه . قال : وقوله ( فما رعوها حق رعايتها ) على ضربين
أحدهما : أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم . والاخر : وهو الأجود أن يكونوا حين
بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فلم يؤمنوا به ، كانوا تاركين لطاعة الله ، فما رعوا تلك الرهبانية
حق رعايتها . ودليل ذلك قوله : ( فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم ) يعني الذين آمنوا
بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
( وكثير منهم فاسقون ) أي كافرون . انتهى كلام الزجاج . ويعضد هذا ما
جاءت به الرواية ، عن ابن مسعود قال : كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على حمار ،
فقال : يا بن أم عبد ! هل تدري من أين أحدثت بنو إسرائيل الرهبانية ؟ فقلت : الله
ورسوله أعلم . فقال : ظهرت عليهم الجبابرة بعد عيسى ، يعملون بمعاصي الله ،
فغضب أهل الإيمان ، فقاتلوهم فهزم أهل الإيمان ثلاث مرات ، فلم يبق منهم إلا
القليل فقالوا : إن ظهرنا لهؤلاء أفنونا ، ولم يبق للدين أحد يدعو إليه ، فتعالوا نتفرق
في الأرض إلى أن يبعث الله النبي الذي وعدنا به عيسى عليه السلام ، يعنون
محمدا صلى الله عليه وآله وسلم . فتفرقوا في غيران الجبال ، وأحدثوا رهبانية ، فمنهم من تمسك
بدينه ، ومنهم من كفر . ثم تلا هذه الآية : ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) إلى
آخرها . ثم قال : يا بن أم عبد ! أتدري ما رهبانية أمتي ؟ قلت : الله ورسوله أعلم .
قال : الهجرة ، والجهاد ، والصلاة ، والصوم ، والحج ، والعمرة .
وعن ابن مسعود قال : دخلت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا بن مسعود ! اختلف
من كان قبلكم على اثنتين وسبعين فرقة ، نجا منها اثنتان ، وهلك سائرهن . فرقة
قاتلوا الملوك على دين عيسى عليه السلام ، فقتلوهم . وفرقة لم تكن لهم طاقة لموازاة
الملوك ، ولا أن يقيموا بين ظهرانيهم ، يدعونهم إلى دين الله تعالى ، ودين
عيسى عليه السلام ، فساحوا في البلاد ، وترهبوا ، وهم الذين قال الله لهم ( ورهبانية
ابتدعوها ما كتبناها عليهم ) ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم ( من آمن بي ، وصدقني ،
واتبعني ، فقد رعاها حق رعايتها ، ومن لم يؤمن بي ، فأولئك هم الهالكون ) .
ثم قال سبحانه : ( يا أيها الذين آمنوا ) أي اعترفوا بتوحيد الله ، وصدقوا
بموسى وعيسى عليهما السلام . ( اتقوا الله وآمنوا برسوله ) محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن ابن عباس .
تفسير مجمع البيان — صفحة 404
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٤٠٤