الهدى إلى الضلال . وما غوى فيما يؤديه إليكم . ومعنى غوى : ضل . وإنما أعاده
تأكيدا . وقيل : معناه ما خاب عن إصابة الرشد . وقيل : ما خاب سعيه ، بل ينال
ثواب الله ، وكرامته . ( وما ينطق عن الهوى ) أي وليس ينطق بالهوى . وهكذا كما
يقال : رميت بالقوس ، وعن القوس . وقيل : معناه ولا يتكلم بالقرآن ، وما يؤديه
إليكم ، عن الهوى الذي هو ميل الطبع . ( إن هو إلا وحي يوحى ) أي ما القرآن ،
وما ينطق به من الأحكام ، إلا وحي من الله يوحى إليه أي : يأتيه به جبرائيل ، وهو
قوله :
( علمه شديد القوى ) يعني جبرائيل ( ع ) أي : القوي في نفسه وخلقته ، عن
ابن عباس والربيع وقتادة ، والقوى جمع القوة ( ذو مرة ) أي : ذو قوة وشدة في
خلقه ، عن الكلبي قال : ومن قوته أنه اقتلع قرى قوم لوط من الماء الأسود ، فرفعها
إلى السماء ، ثم قلبها ، ومن شدته صيحته لقوم ثمود حتى هلكوا . وقيل : معناه ذو
صحة وخلق حسن ، عن ابن عباس وقتادة . وقيل : شديد القوى في ذات الله . ذو
مرة أي صحة في الجسم ، سليم من الآفات والعيوب . وقيل : ذو مرة أي : ذو مرور
في الهواء ، ذاهبا وجائيا ، ونازلا وصاعدا ، عن الجبائي . ( فاستوى ) جبرائيل على
صورته التي خلق عليها بعد انحداره إلى محمد ( ص ) .
( وهو ) كناية عن جبرائيل ( ع ) أيضا ( بالأفق الأعلى ) يعني أفق المشرق .
والمراد بالأعلى : جانب المشرق ، وهو فوق جانب المغرب في صعيد الأرض ، لا
في الهواء . قالوا : إن جبرائيل كان يأتي النبي ( ص ) في صورة الآدميين ، فسأله
النبي ( ص ) أن يريه نفسه على صورته التي خلق عليها . فأراه نفسه مرتين : مرة في
الأرض ، ومرة في السماء . أما في الأرض ، ففي الأفق الأعلى ، وذلك أن
محمدا ( ص ) كان بحراء ، فطلع له جبرائيل ( ع ) من المشرق ، فسد الأفق إلى
المغرب ، فخر النبي ( ص ) مغشيا عليه . فنزل جبرائيل مثنه في صورة الآدميين ،
فضمه إلى نفسه ، وهو قوله :
( ثم دنا فتدلى ) وتقديره : ثم تدلى أي قرب بعد بعده ، وعلوه في الأفق
الأعلى فدنا من محمد ( ص ) . قال الحسن وقتادة : ثم دنا جبرائيل ( ع ) بعد استوائه
بالأفق الأعلى من الأرض ، فنزل إلى محمد ( ص ) . وقال الزجاج : معنى دنا وتدلى
واحد ، لأن معنى دنا قرب ، وتدلى زاد في القرب ، كما تقول : قد دنا مني فلان
تفسير مجمع البيان — صفحة 288
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٨٨