تدعون ، فلنا الجنة . ومثله : ( ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى ) ، عن
الحسن . والغيب الذي لا يعلمه إلا الله ، هو ما لا يعلمه العاقل ضرورة ، ولا عليه
دلالة ، فالله عالم به ، لأنه يعلمه لنفسه ، والعالم لنفسه يعلم جميع المعلومات ، فلا
يخفى عليه شئ منها . ( أم يريدون كيدا ) أي مكرا بك ، وتدبير سوء في بابك
سرا ، على ما دبروه في دار الندوة . ( فالذين كفروا هم المكيدون ) أي هم
المجزيون بكيدهم . فإن ضرر ذلك يعود عليهم ، ويحيق بهم مكرهم ، كما جزى الله
سبحانه أهل دار الندوة بكيدهم أن قتلهم ببدر . ( أم لهم إله غير الله ) يرزقهم
ويحفظهم وينصرهم . يعني : إن الذين اتخذوهم آلهة ، لا تنفعهم ولا تدفع عنهم .
ثم نزه سبحانه نفسه فقال : ( سبحان الله عما يشركون ) به من الآلهة . ثم ذكر
سبحانه عنادهم ، وقسوة قلوبهم فقال : ( وإن يروا كسفا من السماء ساقطا ) يعني :
إن عذبناهم بسقوط بعض من السماء عليهم ، لن ينتهوا عن كفرهم . وقالوا : هو
قطعة من السحاب . وهو قوله : ( يقولوا سحاب مركوم ) بعضه على بعض . وكل
هذه الأمور المذكورة بعد أم في هذه السورة ، إلزامات لعبدة الأوثان على مخالفة
القرآن .
ثم قال سبحانه يخاطب النبي ( ص ) : ( فذرهم ) يا محمد أي اتركهم ( حتى
يلاقوا يومهم الذي فيه يصعقون ) أي يهلكون بوقوع الصاعقة عليهم . وقيل : الصعقة
النفخة الأولى التي يهلك عندها جميع الخلائق . ثم وصف سبحانه ذلك اليوم فقال :
( يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا ) أي لا تنفعهم حيلتهم ، ولا تدفع عنهم شيئا ( ولا
هم ينصرون وإن للذين ظلموا ) يعني كفار مكة ( عذابا دون ذلك ) أي دون عذاب
الآخرة ، يعني القتل يوم بدر ، عن ابن عباس . وقيل : يريد عذاب القبر ، عن ابن
عباس أيضا ، والبراء بن عازب . وقيل : هو الجوع في الدنيا ، والقحط سبع سنين ،
عن مجاهد . وقيل : هو مصائب الدنيا ، عن ابن زيد . وقيل : هو عام جميع ذلك .
( ولكن أكثرهم لا يعلمون ) ما هو نازل بهم ( واصبر ) يا محمد ( لحكم
ربك ) الذي حكم به ، وألزمك التسليم له ، إلى أن يقع عليهم العذاب الذي حكمنا
عليهم . وقيل : واصبر على أذاهم حتى يرد أمر الله عليك بتخليصك ( فإنك بأعيننا )
أي بمرأى منا ، ندركك ، ولا يخفى علينا شئ من أمرك ، ونحفظك لئلا يصلوا إلى
شئ من مكروهك .
تفسير مجمع البيان — صفحة 282
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٢٨٢