أيها السائق ، ويا أيها الشهيد ألقيا والرابع : إنه يريد النون الخفيفة ، فكان ألقين .
فاجرى الوصل مجرى الوقف ، فأبدل من النون ألفا ، كما قال الأعشى :
وذا النسك المنصوب لا تنسكنه ، * ولا تعبد الشيطان ، والله فاعبدا ( 1 )
ويؤيد هذا القول ما روي عن الحسن أنه قرأ : ( ألقيا ) بالتنوين . ( الذي جعل
مع الله إلها آخر ) : إن كان مبتدأ فخبره قوله ( فألقياه ) ويجوز أن يكون نصبا بمضمر
يفسره ( فألقياه ) . ويجوز أن يكون نصبا بدلا من قوله ( كل كفار ) . ولا يجوز أن
يكون جرا صفة لكفار ، لأن النكرة لا توصف بالموصول ، إنما الموصول وصلة إلى
وصف المعارف بالجمل .
المعنى : ثم أخبر سبحانه عن حال الناس بعد البعث ، فقال : ( وجاءت كل
نفس معها سائق وشهيد ) أي وتجئ كل نفس من المكلفين في يوم الوعيد ، ومعها
سائق من الملائكة يسوقها أي يحثها على السير إلى الحساب ، وشهيد من الملائكة
يشهد عليها بما يعلم من حالها ، وشاهده منها وكتبه عليها ، فلا يجد إلى الهرب ولا
إلى الجحود سبيلا . وقيل : السائق من الملائكة ، والشهيد الجوارح تشهد عليها ،
عن الضحاك .
( لقد كنت في غفلة ) أي يقال له : لقد كنت في سهو ونسيان ( من هذا ) اليوم
في الدنيا . والغفلة : ذهاب المعنى عن النفس ( فكشفنا عنك غطاءك ) الذي كان في
الدنيا يغشى قلبك وسمعك وبصرك ، حتى ظهر لك الأمر . وإنما تظهر الأمور في
الآخرة بما يخلق الله تعالى من العلوم الضرورية فيهم ، فيصير بمنزلة كشف الغطاء لما
يرى . وإنما يراد به جميع المكلفين برهم وفاجرهم ، لأن معارف الجميع ضرورية
( فبصرك اليوم حديد ) أي فعينك اليوم حادة النظر ، لا يدخل عليها شك ولا شبهة .
وقيل : معناه فعلمك بما كنت فيه من أحوال الدنيا نافذ ، ولا يراد به بصر العين ، كما
يقال : فلان بصير بالنحو والفقه . وقيل : هو خاص في الكافر أي : فأنت اليوم عالم
بما كنت تنكره في الدنيا ، عن ابن عباس .
( وقال قرينه ) يعني الملك الشهيد عليه ، عن الحسن ، وهو المروي عن أبي
هامش
( 1 ) قد مر البيت في ج 1 .