يا محمد يعني مكة ( التي أخرجتك ) أي أخرجك أهلها . والمعنى : كم من رجال
هم أشد من أهل مكة ، ولهذا قال : ( أهلكناهم ) فكنى عن الرجال ، عن ابن
عباس . ( فلا ناصر لهم ) يدفع عنهم إهلاكنا إياهم . والمعنى : فمن الذي يؤمن
هؤلاء أن أفعل بهم مثل ذلك . ثم قال سبحانه على وجه التهجين والتوبيخ للكفار
والمنافقين ( أفمن كان على بينة من ربه ) أي على يقين من دينه ، وعلى حجة
واضحة من اعتقاده في التوحيد والشرائع ( كمن زين له سوء عمله ) زين له الشيطان
المعاصي وأغواه ( واتبعوا أهواءهم ) أي شهواتهم وما تدعوهم إليه طباعهم ، وهو
وصف لمن زين له سوء عمله ، وهم المشركون . وقيل : هم المنافقون ، عن ابن
زيد ، وهو المروي عن أبي جعفر ( ع ) .
ثم وصف الجنات التي وعدها المؤمنين بقوله . ( مثل الجنة التي وعد
المتقون ) تقدم تفسيره في سورة الرعد . ( فيها أنهار من ماء غير آسن ) أي غير متغير
لطول المقام ، كما تتغير مياه الدنيا ( وأنهار من لبن لم يتغير طعمه ) فهو غير
حامض ، ولا قارص ، ولا يعتريه شئ من العوارض التي تصيب الألبان في الدنيا
( وأنهار من خمر لذة للشاربين ) أي لذيذة يلتذون بشربها ، ولا يتأذون بها ، ولا
بعاقبتها ، بخلاف خمر الدنيا التي لا تخلو من المزازة ( 1 ) والسكر والصداع . ( وأنهار
من عسل مصفى ) أي خالص من الشمع والرغوة والقذى ، ومن جميع الأذى والعيوب
التي تكون لعسل الدنيا ( ولهم فيها من كل الثمرات ) أي مما يعرفون اسمها ، ومما
لا يعرفون اسمها ، مبرأة من كل مكروه يكون لثمرات الدنيا ( ومغفرة من ربهم ) أي
ولهم مع هذا مغفرة من ربهم ، وهو أنه يستر ذنوبهم ، وينسيهم سيئاتهم ، حتى لا
يتنغص عليهم نعيم الجنة ( كمن هو خالد في النار ) أي من كان في هذا النعيم كمن
هو خالد في النار ( وسقوا ماء حميما ) شديد الحر ( فقطع أمعاءهم ) إذا دخل
أجوافهم . وقيل : إن قوله ( كمن هو خالد في النار ) معطوف على قوله . ( كمن زين
له سوء عمله ) أي كمن زين له سوء عمله ، ومن هو خالد في النار ، فحذف الواو كما
يقال : قصدني فلان شتمني ظلمني .
( ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا
هامش
( 1 ) وفي نسختين ( المرارة ، بدل " المزازة " . والمزازة : طعم بين الحموضة والحلاوة .