الصمت حكم وقليل فاعله . فقال له داود : بحق ما سميت حكيما .
وفي كتاب من لا يحضره الفقيه قال لقمان لابنه : يا بني ! إن الدنيا بحر
عميق ، وقد هلك فيها عالم كثير ، فاجعل سفينتك فيها الإيمان بالله ، واجعل شراعها
التوكل على الله . واجعل زادك فيها تقوى الله . فإن نجوت فبرحمة الله ، وإن هلكت
فبذنوبك . وروى سليمان بن داود المنقري : عن حماد بن عيسى ، عن أبي
عبد الله عليه السلام قال ، في وصية لقمان لابنه :
يا بني ! سافر بسيفك ، وخفك ، وعمامتك ، وخبائك ، وسقائك ، وخيوطك ،
ومخرزك ، وتزود معك من الأدوية ما تنتفع به أنت ومن معك ، وكن لأصحابك موافقا
إلا في معصية الله ، عز وجل . يا بني ! إذا سافرت مع قوم فأكثر استشارتهم في أمرك
وأمورهم ، وأكثر التبسم في وجوههم ، وكن كريما على زادك بينهم ، فإذا دعوك
فأجبهم ، وإذا استعانوا بك فأعنهم . واستعمل طول الصمت ، وكثرة الصلاة ، وسخاء
النفس بما معك من دابة ، أو ماء ، أو زاد .
وإذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم ، واجهد رأيك لهم إذا استشاروك . ثم
لا تعزم حتى تتثبت وتنظر ، ولا تجب في مشورة حتى تقوم فيها وتقعد ، وتنام وتأكل ،
وتصلي ، وأنت مستعمل فكرتك ، وحكمتك في مشورته ، فإن من لم يمحض
النصيحة من استشاره ، سلبه الله رأيه . وإذا رأيت أصحابك يمشون فامش معهم ،
فإذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم ، واسمع لمن هو أكبر منك سنا .
وإذا أمروك بأمر وسألوك شيئا فقل نعم ، ولا تقل لا ، فإن لا عي ولؤم ، وإذا
تحيرتم في الطريق فانزلوا . وإذا شككتم في القصد فقفوا ، وتؤامروا . وإذا رأيتم
شخصا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم ، ولا تسترشدوه ، فإن الشخص الواحد في
الفلاة مريب ، لعله يكون عين اللصوص ، أو يكون هو الشيطان الذي حيركم .
واحذروا الشخصين أيضا إلا أن تروا ما لا أرى ، لأن العاقل إذا أبصر بعينه شيئا عرف
الحق منه ، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب .
يا بني إذا جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشئ ، صلها واسترح منها ، فإنها
دين ، وصل في جماعة ولو على رأس زج ( 1 ) ولا تنامن على دابتك ، فإن ذلك
هامش
( 1 ) الزج : الحديد التي في أسفل الرمح