داود أنا اختبرناه وابتليناه . وقيل : إنا شددنا عليه في التعبد ، عن علي بن عيسى .
وقيل : أراد الظن المعروف الذي هو خلاف اليقين . ( فاستغفر ربه ) أي : سأل الله
سبحانه المغفرة ، والستر عليه ( وخر راكعا ) أي . صلى لله تعالى ( وأناب ) إليه .
وقيل : سقط ساجدا لله تعالى ، ورجع إليه . وقد يعبر عن السجود بالركوع ، قال
الشاعر :
فخر على وجهه راكعا ، * وتاب إلى الله من كل ذنب
قال الحسن : إنما قال : وخر راكعا ، لأنه لا يصير ساجدا حتى يركع . وقال
مجاهد : مكث أربعين يوما ساجدا ، لا يرفع رأسه إلا لصلاة مكتوبة يقيمها ، أو
لحاجة لا بد منها . ( فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى ) أي : قربى وكرامة ( وحسن
مآب ) في الجنة . واختلف في استغفار داود عليه السلام من أي شئ كان ، فقيل : إنه
حصل منه على سبيل الانقطاع إلى الله تعالى ، والخضوع له ، والتذلل بالعبادة
والسجود ، كما حكى سبحانه عن إبراهيم عليه السلام بقوله : ( والذي أطمع أن يغفر لي
خطيئتي يوم الدين ) . وأما قوله : ( فغفرنا له ذلك ) فالمعنى . إنا قبلناه منه ، وأثبناه
عليه . فأخرجه على لفظ الجزاء مثل قوله . ( يخادعون الله وهو خادعهم ) ، وقوله :
( الله يستهزئ بهم ) . فلما كان المقصود من الاستغفار والتوبة القبول ، قيل في
جوابه : غفرنا . وهذا قول من ينزه الأنبياء عن جميع الذنوب من الإمامية وغيرهم ومن
جوز على الأنبياء الصغائر قال : إن استغفاره كان لذنب صغير وقع منه .
ثم إنهم اختلفوا في ذلك على وجوه أحدها : إن أوريا بن حيان ، خطب امرأة ،
وكان أهلها أرادوا أن يزوجوها منه ، فبلغ داود جمالها ، فخطبها أيضا فزوجوها منه ،
فقدموه على أوريا ، فعوتب داود على الحرص على الدنيا ، عن الجبائي وثانيها : إنه
أخرج أوريا إلى بعض ثغوره ، فقتل فلم يجزع عليه جزعه على أمثاله من جنده ، إذ
مالت نفسه إلى نكاح امرأته ، فعوتب على ذلك بنزول الملكين . وثالثها . إنه كان في
شريعته أن الرجل إذا مات وخلف امرأة ، فأولياؤه أحق بها إلا أن يرغبوا عن التزويج
بها ، فحينئذ يجوز لغيرهم أن يتزوج بها . فلما قتل أوريا خطب داود عليه السلام امرأته ،
ومنعت هيبة داود وجلالته أولياءه أن يخطبوها ، فعوتب على ذلك ورابعها : إن داود
كان متشاغلا بالعبادة ، فأتاه رجل وامرأة متحاكمين إليه ، فنظر إلى المرأة ليعرفها
بعينها ، وذلك نظر مباح ، فمالت نفسه إليها ميل الطباع ففصل بينهما ، وعاد إلى
تفسير مجمع البيان — صفحة 353
مساهمون: الشيخ الطبرسي
ص٣٥٣